رامي يتذوّق نبيذه في مراحله الأولى في مصنع ميرسل للنبيذ. ديمان، بشري، شمال لبنان. تصوير مروان الصبّان
رامي، هل تستطيع أن تعيدنا إلى البداية؟ من أنت، ما الذي جذبك إلى عالم صناعة النبيذ، وما الذي يجعلك متمسكاً به حتى اليوم؟
مرحباً! أنا رامي باسيل الصبّان، صانع نبيذ طبيعي، متنقّل، و”نيغوسيان”(يشتري عنبه) مقيم في لبنان. بدأت رحلتي في عالم النبيذ عندما عملت مديراً مساعداً لقائمة النبيذ تحت إشراف كارينا إغليسياس في ميامي، الولايات المتحدة. كارينا كانت الشرارة التي أشعلت شغفي بالنبيذ الطبيعي، إذ اعتمدت منهجاً تصاعدياً في العمل بدلاً من النهج التقليدي الفوقي. أسرتني شخصيتها الكاريزمية وحبها العميق لفنّ السرد القصصي، وألهمتني لاستكشاف نبيذ منطقتنا، وتحديداً نبيذ بلاد الشام. بدعمها وتشجيعها، بدأت بالتواصل مع عدد من المنتجين في لبنان، آملاً أن نتمكن من تقديم نبيذهم في المطعم الذي كنّا نديره. وفي تلك المرحلة، تواصلت مع إدي شامي من مصنع “مرسل واين”. وبعد أشهر قليلة، تلقيت دعوة للعودة إلى وطني لصناعة النبيذ تحت إشراف إدي ورعايته.
في الأسابيع الأخيرة من موسم القطاف، رافقني إدي خلال صناعة أول مزيج نبيذي خاص بي — مزيج تجريبي جمع بين عنب الكونكورد (سلالة هجينة من أمريكا الشمالية) وعنب المروه (أحد الأصناف المحلية اللبنانية).
ومن خلال اكتشافي العميق لتربة بلادي ونباتاتها الأصلية، أدركت أن صناعة النبيذ لم تكن مجرد اهتمام عابر بالنسبة لي، بل شغفاً أردت أن أكرّس له حياتي.
اليوم، أنا في موسمي الثالث كصانع نبيذ متنقل، أعمل بروح التعاون والاكتشاف المشترك.
يدٌ تمسك بعنقودٍ من عنب السيرا. إدة، شمال لبنان. تصوير رامي الصبّان.
ماذا يعني لك “النبيذ الطبيعي”؟ ليس كمجرد تصنيف، بل كأسلوب عمل يتناغم مع الأرض ودوراتها؟
في جوهره، يُعدّ النبيذ الطبيعي حركة إحيائية تسترجع الأساليب التقليدية، وتحتفي بالأصناف العنبية الأصلية، وتسعى لتقديم نموذج زراعي يفكك إرث الاستعمار.
شهد النبيذ تحوّلاً كبيراً مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، حين ازداد الطلب العالمي وفرض السوق ضرورة التوحيد، مما أدى إلى الانتشار الواسع لاستخدام المواد الحافظة والأصباغ وعوامل التصفية.
كان النبيذ التقليدي طبيعياً في أصله: عصير عنب مُخمّر ببساطة.
لكن مع التصنيع وامتداد طرق التجارة الإستعمارية، فُرضت “الأصناف النبيلة” — وهي أصناف عنب معترف بها عالمياً تُستخدم في صناعة النبيذ الفاخر — على الأسواق العالمية، غالباً على حساب الأصناف المحلية القديمة.
ورغم أن النبيذ الطبيعي استمر بالوجود ضمن مصانع النبيذ الحرفية الصغيرة، إلا أن حركة الإحياء الحديثة كما نعرفها اليوم وُلدت على يد مجموعة من المنتجين الفرنسيين في منطقتي بوجوليه ووادي اللوار في فرنسا.
النبيذ الطبيعي اليوم يمنح مصانع النبيذ الصغيرة فرصة للعودة إلى جذورها، والابتعاد عن الممارسات الزراعية والصناعية غير الطبيعية.
إنه يكرّس علاقة احترام متبادل بين الإنسان والأرض، ويقوم على العمل بانسجام مع عطايا الطبيعة وإيقاعاتها.
يتفقّد رامي عنبَه المتخمّر ويعتني بخزّاناته المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ كجزء من عملية صنع النبيذ في مصنع ميرسل. ديمان، بشري، شمال لبنان. تصوير مروان الصبّان ورامي الصبّان.
تصف نفسك بأنك صانع نبيذ متنقل. كيف يبدو ذلك عملياً؟ وكيف تؤثر الحركة في علاقتك بالكروم والتعاونات والمكان؟
العمل كصانع نبيذ متنقل يعني أنني أُنتج نبيذي الخاص ضمن مصانع نبيذ مختلفة.
رغم أن الهدف البعيد هو بناء هوية مكانية خاصة بي، إلا أن هذا النهج أتاح لي فرصة استكشاف أساليب تقنية متعددة والوصول إلى مجموعة أوسع من أصناف العنب. أعمل أيضا تدريجياً على بناء مجموعتي الخاصة من المعدات، وأسعى إلى تلبية أي نقص في الأدوات الموجودة في كل مصنع بحسب احتياجاتي الشخصية في صناعة النبيذ.
لكن العمل المتنقل لم يؤثر فقط على طريقتي في صنع النبيذ، بل غيّر أيضاً إحساسي بذاتي. مع نمو هويتي الشخصية، تعمّقت علاقتي بالأرض. التحولات الحادة في التربة والثقافة بين قرية وأخرى في منطقتنا عززت فهمي لنفسي من خلال عدسة المكان.
العمل في الكروم والمناظر الطبيعية المتنوعة منحني شعوراً أعمق بالانتماء أينما كنت — سواء كنت في أرض قارية، أو ساحلية، أو جبلية. البشر يتكيّفون مع بيئاتهم المباشرة، والتعرض لمثل هذا التنوع في أنماط الحياة ساعدني على الوصول إلى إحساس أكثر رسوخاً بمن أنا.
تقوم كلاودين لطيف، مؤسسة “هي واينز”، وعامل آخر بقطف عنب المرواح كجزء من حصاد مشترك بين صانعي النبيذ لعام ٢٠٢٤. نيحا، بشري، شمال لبنان. تصوير رامي الصبّان.
هل يمكنك أن تصف لنا موسم صناعة النبيذ كما تعيشه؟ من التربة إلى القطاف وحتى التعبئة، كيف يبدو مسار عملك حين تقوده قيم الاستدامة والحِرفة؟
الاستعداد لموسم النضوج يبدأ بالكثير من التأمل في العام الذي مضى. مع كل موسم جديد، ومع كل نضج شخصي ومهني، أجد في التأمل الهادئ مساحة لمراجعة ما مضى؛ لاستخلاص الدروس من النجاحات والإخفاقات، دون أن أغرق في دوامة القلق أو جلد الذات. انطلاقاً من هذه المراجعة، أبدأ أبدأ بتطبيق نماذج محسّنة وجديدة عبر مختلف أنواع النبيذ التي أُنتجها، كوسيلة للغوص أعمق في العملية، وفهم تأثير كل قرار صغير على النتيجة النهائية. حين تنضج العناقيد، نتوجه إلى الكروم — غالباً تلك التي زرعها أو اكتشفها شركائي في العمل — ونبدأ موسم القطاف.
بعد الحصاد، نعود إلى المعمل لنعمل معاً على معالجة العنب.
العنصر الأساسي في هذه المرحلة، والذي كان وسيبقى دائماً، هو روح التعاون.
نعمل جنباً إلى جنب، نساند بعضنا البعض حيثما دعت الحاجة، ونتقاسم عبء العمل وفرحته معاً.
هذه هي الاستدامة كما أؤمن بها: نهج يقوده مبدأ الوفرة لا مبدأ الندرة.
العمل مع الأرض ومع المجتمع من موقع الامتنان، لا الخوف.
يُجمع محصول كلاودين ورامي في صناديق تمهيدًا لمرحلة التخمير. تصوير رامي الصبّان.
استيراد النبيذ من لبنان، خصوصاً النبيذ الطبيعي والمُنتج بكميات صغيرة، ليس دائماً عملية سهلة. كيف تبدو هذه الرحلة؟ ومن هم الأشخاص والشبكات التي تجعل هذا ممكناً عبر الحدود؟
مع كل ما يشهده العالم اليوم، أصبحت عمليات التصدير والاستيراد أكثر تعقيداً، لا سيما حين يتعلق الأمر بالشحن من بلاد الشام.
لهذا، بات وجود مستورد تثق به — ويبادلك الثقة — أمراً أساسياً أكثر من أي وقت مضى.
شركات مثل تيرا سانكتا (في الولايات المتحدة) وسيينا واينز (في كندا) تجاوزت الدور التقليدي لوكالات الاستيراد؛ فهي بالفعل داعم حقيقي لمنطقتنا، ترفع من شأن المنتجين وتثقف الزبائن عبر الفعاليات المتنقلة، وورش العمل في المطاعم، والدورات التخصصية.
وبعيداً عن الاستيراد، هناك أيضاً لاعبون أساسيون محلياً مثل قلب، ذا بيك أتيليه، وفينداليزم، الذين يعملون كأمناء ذوق، يساهمون في خلق مشهد محلي أكثر وعياً.
هم أيضاً وسطاء للمعرفة حول النبيذ، وهو أمر نادر الوجود محلياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالنبيذ الطبيعي.
كل هذه الأطراف تلعب دوراً حاسماً في ضمان ألّا يُنظر إلى نبيذنا المحلي كسلعة عابرة أمام أسماء النبيذ الفرنسي والإيطالي الشهيرة، بل كمنتج يستحق الاحترام والمكانة.
بصفته صانع نبيذ متنقّل، يتعاون رامي مع صانعي نبيذ محليين، ما يتيح له استكشاف تقنيات أسلوبية متنوعة والوصول إلى نطاق أوسع من أصناف العنب. من بين هذه التجارب، قيامه في عام ٢٠٢٢ بقطاف عنب السانجوفيزي مع إدي شامي من “ميرسل واين”. شمال لبنان. تصوير رامي الصبّان.
في رأيك، كيف يرتبط النبيذ الطبيعي بأسئلة السيادة الغذائية في لبنان، خاصةً في ظل الأزمات الاقتصادية والبيئية المتواصلة؟
عندما نعود إلى جوهر فلسفة النبيذ الطبيعي، نجد أنها متجذرة عميقاً في مفاهيم السيادة الغذائية وسلامة الغذاء.
القدرة على إنتاج النبيذ عبر نماذج زراعية مستدامة و متجددة تعكس إحساساً عميقاً بالاستقلالية.
النظام الذي يعمل بتناغم مع الطبيعة، ويعزز الإنتاج المحلي للغذاء والنبيذ، يقوّي قدرة المجتمعات على تقرير مصيرها.
الدول الاستيطانية غير الشرعية تستخدم هذه المبادئ نفسها كأسلحة ضد منطقتنا عبر التدمير البيئي — وبالطبع، عبر الإبادة الجماعية.
ومن خلال تجربتي المتواضعة، ألاحظ أنه في كل مرة نواجه فيها أزمات كبرى، تتعزز المبادرات الزراعية القاعدية أكثر فأكثر.
ما دمنا نتمسك بهذه الممارسات، فإننا نستمر في استعادة وكالتنا على مصيرنا، وحماية تراثنا، وزراعة بذور التحرر.
- ملصق “قَوْس”، أول نبيذ يُطلقه رامي، وهو نبيذ روزيه مشرق وفوّاح بطعمه الفاكهي. ٢٠٢٢. تصميم الملصق من تنفيذ بولين حربالي.
- ملصق “وَجْد”، تعبير متفرّد عن عنب البينوت نوار اللبناني من إنتاج رامي الصبّان. ٢٠٢٣. تصميم الملصق من تنفيذ برديس أمريان.
كيف ترى عملك الشخصي كجزء من جهد أوسع لحفظ أو إحياء أو إعادة تخيّل التراث الثقافي في لبنان؟
حفظ ثقافتنا من خلال النبيذ كان وما زال رحلة مفعمة بالفرح بالنسبة لي.
أولاً وقبل كل شيء، يبدو أن العالم نسي أين تقع الجذور الحقيقية لصناعة النبيذ.
قبل أن تظهر تصنيفات “العالم القديم” و”العالم الجديد”، كان هناك “العالم القديم جداً” — مهد صناعة النبيذ.
هذا الامتداد يشمل اليوم أرمينيا، جورجيا، تركيا، سوريا، لبنان، فلسطين، العراق، وإيران.
صناعة النبيذ هنا، في بلادي، أشعر أنها استعادة للهوية، وتذكير للعالم بأصول هذا الفن العريق.
ثانياً، العنب الذي أستخدمه يجمع بين الأصناف النبيلة والأصناف المحلية، مما يمنحني مساحة لعرض التراث الأصيل والتعبير العصري معاً، وإبراز التناغم بينهما.
النبيذ الذي أصدرته حتى الآن يعكس تماماً هذا المزج بين الأصالة والتجديد.
وأخيراً، حين حان وقت اختيار الأسماء، اخترت أن أبتعد عن الفلكلوريات الاستعمارية المستهلكة، وأتبنّى فخراً اسمي العائلي: الصبّان.
استلهمت أسماء دفعات النبيذ من اللغة العربية الكلاسيكية — بعضها متجذر في الرمزية الفلكية مثل (قوس)، وبعضها مستلهم من التصوف مثل (كشف ووجد)، وبعضها الآخر يعود إلى العربية الجاهلية وما بعدها مثل (أوار ومجد).
بهذا، أستطيع أن أبقى متجذراً في تراثي، وأحمل التاريخ معي إلى الحاضر.

Al Rawiya Team
- Al Rawiya Team
- Al Rawiya Team


















