طَق، طَق، طَق. سكين يفرم البصل بخفة وسرعة.
بْلُب، بْلُب، بْلُب. الماء يغلي، معلنًا أن القدر بدأ يفور.
سسسسس حادة وعالية تنبعث حين يلامس الثوم الزيت الحار.
تمتلئ الغرفة بالبخار، بأصوات اصطدام القدور، وبعبق الطعام المنزلي الذي يغمر المكان.
لكن ما يتسرّب إلى القلب ليس دفئًا ولا فرحًا، بل هو شعور مرير، عقدة في المعدة ودموع تترقرق في العيون دون أن تنسكب. فعندما يختفي طبقٌ من على المائدة بعد غياب من اعتاد أن يُحضّره بمحبة، أو حين تصبح زجاجة زيت الزيتون رمزًا غاليًا لوطنٍ يبتعد يومًا بعد يوم، يتحوّل الطعام إلى محفّز موجع للحزن.
في المشرق، الطعام ليس مجرّد غذاء، بل هو حجر أساس في كرم الضيافة العربي وفي الهوية الثقافية. تُبنى الاحتفالات حوله، وتتحوّل اللقاءات حوله إلى أفراحٍ بحد ذاتها. ومع ذلك، وفي ثقافة تتداخل فيها البهجة والضيافة في تفاصيل الحياة اليومية، غالبًا ما يُهمّش الحديث عن دور الطعام في الحزن.
ينزف الحزن داخل طقس الطهي. كل شريحة تردد صدى فقد، وكل مكوّن يحمل ذاكرة شكّلها التراب. صورة من سلسلة “قلوب الحلوم” بعدسة تمارا سعادة، التُقطت بين بيروت وعرّبانية، 2021.
بعد الفقدان، يزور الأهل والأصدقاء منزل المتوفى لتقديم العزاء. في الثقافات الغربية، من الشائع أن يجلب الزوّار معهم أطباقًا جاهزة أو مستلزمات لتخفيف العبء عن العائلة المفجوعة. أما في العالم العربي، فلا يصل الزائرون أبدًا ويديهم خاليتان، بل يجتمع الحزن حول موائد عامرة بالأطعمة المنزلية. حتى في مراسم الجنازات، بغض النظر عن الدين، تُقدّم العائلة وجبة طعام للمعزّين.
تصبح هذه الوجبة استراحةً بين الصلوات وكلمات المواساة، لحظة لتقاسم الغذاء بينما يحاول الجميع هضم الغياب. تختلط الدموع بنكهات سندويشات الحبش المتفتتة على الملابس السوداء. ويُؤكل الرز والدجاج واقفًا أو على كراسٍ بلاستيكية، بين أيادٍ مرتجفة وهمسات تعزية، فيجسّد مذاق الحداد بكل ما فيه من مرارة.
هذه العلاقة المعقّدة بين الطعام والحزن لا تنتهي بانتهاء العزاء، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث يُصبح غياب طبقٍ محبوب نوعًا آخر من الفقد.
ما بعد الفقد — يترك الحزن أثرًا، لا يختلف كثيرًا عن بقعة زيت على لوح تقطيع أو عن غصة في الروح. صورة من سلسلة “قلوب الحلوم” بعدسة تمارا سعادة، التُقطت بين بيروت وعرّبانية، 2021.
بالنسبة إلى محيو الجوهري، الشيف المقيم بين لبنان وكندا، هذا الطبق هو “ورق عريش” جدّته. ومنذ وفاتها في عام 2020، لم يتذوّقه مرة واحدة.
يقول: “يمكن اعتباره بمثابة تحيّة لروحها، لأنه كان طبقها. إذا اضطررت أن آكله ولم يكن هناك خيار آخر، قد أتناوله، لكنني سأقارن دائمًا. لن يقترب حتى من مذاق تيتا. قد يكون لذيذًا جدًا، لكنه لن يكون هو. والأغرب، أنني إذا أحببته من يدٍ غير يدها، أشعر وكأنني خنتها.”
بدأ شغف الشيف الجوهري بالمطبخ منذ طفولته، متأثرًا بوالده الذي اشتهر بابتكاراته الغذائية المعقّدة، وسلسلة من النساء — والدته، وجدّاته، وعمّاته — اللواتي برعن في الطهو.
كسر شيء طري. إيماءة مشبعة بالمشاهد الطبيعية، والفقد، والحياة. صورة من سلسلة “قلوب الحلوم” بعدسة تمارا سعادة، التُقطت بين بيروت وعرّبانية، 2021.
لكن العلاقة الخاصة التي جمعته بجدّته لم تكن فقط في المطبخ، بل نشأت من حبّها العميق وتفانيها اللامشروط تجاهه.
يقول: “كانت تؤمن بي مهما فعلت. دائمًا كانت إلى جانبي. تحميني، تدافع عني، حتى عندما أكون مخطئًا بوضوح. حين طُردت من المدرسة، كانت هي من ذهبت خفية إلى المدير وتوسّلت إليه ليعيدني. كانت تعني لي العالم كله.”
حين يفقد الإنسان من يحب، يتشبّث ببقايا الذكرى. لكن مع مرور الوقت، تبدأ هذه البقايا في التلاشي. يبهت صوتهم، وتتلاشى رائحتهم، وتصبح الصور الوسيلة البصرية الوحيدة لتذكّر ملامحهم. وعندما تخفت الحواس المرتبطة بالرؤية والسمع، تتقدّم حواس أخرى — وعلى رأسها التذوّق. يصبح الطعام محفّزًا قويًا للذاكرة. يتحوّل طبق اعتادوا طهوه إلى رمز لا يُضاهى. قد يصبح هوسًا، أو شيئًا لا نحتمل حتى رؤيته.
بالنسبة لعلياء بن موسى، طالبة دكتوراه في الكيمياء، نشأت علاقتها بالأطعمة الحارة من رغبة عميقة في الحفاظ على ذكرى والدها بعد رحيله.
تقول: “لم يكن الطعام الحار جزءًا من نظامي الغذائي. كان يلسع شفاهي ويُحرِق حلقي، ولم أكن أجد فيه أي متعة.”
لكن والدها، في المقابل، لم يكن يُفارق التاباسكو أو الهريسة.
بعد وفاته، قررت في أحد الأيام أن تضيف التاباسكو إلى الكسكس والطواجن، ثم بدأت تُضيف الزيت الحار إلى البيتزا. شيئًا فشيئًا، بدأ الطعام الحار يتسلّل إلى حياتها اليومية.
توضح بن موسى: “أخاف أن أنسى رائحته، صوته، وتلك التفاصيل الصغيرة التي كانت تميّزه. لا أستطيع إعادة خلقها. لكنني أريد أن أحافظ على ذكراه حيّة. أتشبّث بكل ما يقرّبني منه. الأكل الحار، والإحساس بالمتعة أثناء تناوله، أصبحا من طريقتي في حفظ الذاكرة.”
ملمس الحزن. ذكريات ذابلة كزهور الورد، ومفرومة كخضروات كانت تُشارك عبر الأجيال. صورة من سلسلة “”قلوب الحلوم“” بعدسة تمارا سعادة، التُقطت بين بيروت وعرّبانية، 2021.
في نسيج التجربة الإنسانية، حيث تتلوّن الخيوط بالعواطف، يتداخل الطعام بعمق مع الحزن. في لحظات الصدمة، قد تتبدّل علاقتنا بالطعام جذريًا. وحتى بعد أن يبدأ القبول، يبقى الطعام وسيطًا شديد التأثير للمشاعر.
ما يمنح الطعام هذه القدرة الفريدة على استحضار الذكريات، أو حتى الأحلام — لحظات لم تحدث ووعود لم تُوفَ — هو ملمسه المادي. كونه النشاط الوحيد الذي يُفعّل الحواس الخمس معًا، يجعله قادرًا على حملنا عبر الزمان والمكان — إلى قارات بعيدة، جبال اندثرت، أو ذكريات خافتة توارت خلف الزمن.
في المشرق، الطعام يتجاوز كونه غذاءً. إنه وعاء للمشاعر، جسر يربط بين الماضي والحاضر، وشهادة حية على استمرارية المجتمع. في لحظات الحزن، يصبح لغة بحد ذاتها، تنطق بالحب. وفي النهاية، يصبح الطعام وسيلة للتذكّر والتكريم، لأنه يحمل الذاكرة في نكهته. فالحزن، رغم قسوته، ليس مجرد حالة ذهنية — بل تجربة تسكن الجسد والروح. قد تهزّنا، تشلّنا، وتبدّل ألوان الحياة إلى الأبد.
صباح حيدر، الباحثة والمخرجة المقيمة في باريس، تحتل “الهندبة” مكانة خاصة في ذاكرتها — ليس فقط لصعوبة العثور عليها هناك، بل لما ارتبطت به من تجربة شخصية عاطفية.
في عام 2020، تعرّفت عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى رجل من لبنان، ونشأت بينهما علاقة مراسلة، بينما كانت المسافة وجائحة كورونا تفصل بين بلديهما.
الذاكرة تُقلى على النار. حتى أبسط الأفعال، كقلي البيض، تصبح طقوس تكريم لحياة كانت مشتركة.
صورة من سلسلة “قلوب الحلوم” بعدسة تمارا سعادة، التُقطت بين بيروت وعرّبانية، 2021.
تقول حيدر: “بدأنا نتحدث عن الطعام خلال محادثاتنا، وقلت له ذات مرة إنني أحب الهندبة.”
ومنذ تلك اللحظة، بدأت “الهندبة” تكرر في حديثهما، وتحوّلت تدريجيًا إلى رمز للّقاء المنتظر.
لكن عندما التقيا أخيرًا بعد شهور، خابت آمالها. ورغم أن الطبق لم يكن حاضرًا فعليًا، ظل طعمه الحامض عالقًا في ذاكرتها وقلبها.
تقول: “غريب أن يرتبط هذا الطبق، الذي أعشقه، بمشاعر كهذه. لم أختبر من قبل تقاطعًا بين الطعام والمشاعر مع رجل.”
تحوّلت “الهندبة” إلى أكثر من مجرد وجبة أو تذكير بلبنان؛ أصبحت مرآة لعواطف مريرة، وتذكيرًا بتوقعات لم تتحقّق، وخيالٍ عاطفي لم يُكتب له أن يرى النور، وحزنٍ على ما لم يكن.
ورغم أن الطعام يمنح العزاء، إلا أنه أيضًا أداة سرد. فالوصفات التي تتناقلها الأجيال تتحوّل إلى أوعية للتاريخ، تحمل حكايات من سبقونا. وفي سياق الحزن، يصبح إعداد طبقٍ كان محبّبًا لدى الراحلين فعلًا من أفعال الوفاء، وطريقة لإبقاء ذكراهم حيّة.
وفي المشرق، حيث تُقدّس الأرض وتصان الهوية، يضيف الحزن بُعدًا آخر للتجربة. فبالنسبة للمنفيين، يصبح الطعام رمزًا لما فُقد — طعم وطنٍ لا يعيش إلا في الذاكرة أو الخيال. وكما تكتب الشيف ريم أسيل في كتابها، الذي يدمج وصفات من العالم العربي مع سيرة عائلتها الممتدة من غزة إلى الولايات المتحدة، فإن الطعام هو أيضًا فعل مقاومة.
الطعام يمنحنا العزاء وفيه وسيلة لحكي الحكايات. صورة من سلسلة “قلوب الحلوم” بعدسة تمارا سعادة، التُقطت بين بيروت وعرّبانية، 2021.
في أواخر التسعينيات، وبينما كانت إسرائيل تكثّف قصفها للجنوب اللبناني، كان غيّان الأمين، المخرج والمصوّر، يقضي عطلته الصيفية في قريته “السوّانة” القريبة من الحدود.
يقول: “كلما كانت أمي تطبخ لبن أمّه، كان يحدث قصفٌ في مكان ما من الجنوب، خصوصًا عندما يزورنا ابن عمي من بيروت.”
لكن بدلًا من أن تُفسد هذه المصادفة علاقته بالطبق، حوّلها الأمين وأسرته إلى طرفة عائلية.
“لم يحدث شيء خطير فعليًا، لكننا كنا نخاف في كل مرة، وأصبح الأمر نكتة متكررة بيننا.”
فماذا يحدث عندما يتحوّل طبقٌ محبوب إلى تذكارٍ مرّ؟
الحزن يعيد رسم الماضي بألوان وردية، يُجمِّل ما كان. لكن، أليس هذا جزءًا من غايته؟
قد تعيد لقمة واحدة من طبق مألوف الإنسان إلى لحظات سعيدة قديمة، تمنحه عزاءً ممزوجًا بالحنين. وفي أحيان أخرى، تفتح هذه اللقمة بوابات الذكريات، فتجرف معها كل من غابوا ولم يعودوا.
الحزن جزءٌ أصيل من وجودنا. الفقد، والانكسار، والمنفى — كلّها مواضيع مألوفة في المشرق، هذا المكان الذي صاغته الصراعات والتاريخ والغنى الثقافي. وهنا، حيث تُعاش الحياة بشغف، تتبدّل علاقتنا بالطعام — هذا العنصر العميق في تفاصيل يومنا — حين نواجه الحزن.
مرارة محفوظة. شريحة حمضيات واحدة تعكس وخزة التذكّر الحادة. صورة من سلسلة “قلوب الحلوم” بعدسة تمارا سعادة، التُقطت بين بيروت وعرّبانية، 2021.
لكن بدلًا من الهروب، يمكننا أن نحتضن الطعام كوسيلة لمواجهته، لتكريمه، وللتصالح معه. وحين نمنح أنفسنا مساحة للإحساس، وللتأمّل، وللاحتفاء، يصبح الطعام جسرًا يصل بين الخسارة والذاكرة.
يقول الشيف محيو الجوهري:
“الطعام هو كل شيء. هو سياسة، هو ثقافة، هو حب. هو إرث يُنقل. هو تقليد. هو عائلة.
في الشرق الأوسط، كنا نتناول غداء أو عشاء الأحد مع العائلة. كنت أتذمّر من الذهاب إلى بيت جدتي كل أحد.
واليوم… أتمنى فقط لو يمكنني أن أفعله مرة أخيرة.”

تمارا سعادة
وُلدت ونشأت في لبنان، وهي صحافية ومصوّرة تقيم حالياً في بيروت. تغطّي في أعمالها المشهد الاجتماعي المتغيّر في لبنان، مع تركيز على حقوق الإنسان من خلال نهج وثائقي يجمع بين التصوير الفوتوغرافي والكتابة والفيديو. تعمل تمارا على صيغ فوتوغرافية وفنية مختلفة، وتوظّف تقاطع الوسيط والرسالة لتسليط الضوء على قصصها.








