تمسك باربي غلاف مجلة مغطى بالدماء كُتب عليه “حمية!” بينما تحدّق في صفحة تجمع بين الحلويات وعدد السعرات الحرارية. تعليق بصري على كيفية تشكيل الإعلام لصورة الجسد ومثُل الوزن لدى الفتيات الصغيرات.
صورة من “صورة الجسد والإعلام (2012)” بعدسة لورا لويس على فليكر (CC BY 2.0). مُعدّلة.
لو كنتُ سأجمع كلّ السنوات التي أمضيتها في معاقبة جسدي بلا هدف، وفي شنّ حربٍ على حجمه — حيث كان كلُّ غرام يُفقَد يبدو كأنه انتصار وكلّ غرام يُكتَسب يُشبه هزيمةً ساحقة — لبلغَ المجموع عشر سنوات من حياتي.
في الثامنة من عمري، لم تكن طفولتي مثل طفولة غيري. لم يكن ركوب الدرّاجة ما شغل ظهيرات الصيف، ولا تعلُّم صنع أساور الزينة. بل كنتُ أتعلّم شيئًا آخر: أنّني أشغل حيّزًا أكبر ممّا ينبغي. لم تكن لديّ الكلمات حينها لأصف ذلك الشعور، لكنني وجدتُ عدوًا جديدًا في تلك الأرقام التي كانت تقيس كمَّ المساحةِ التي أستحقّ أن أشغلها: السعرات الحرارية.
فجأة، باتت التنورة التي ارتديتها العام الماضي «غير مناسبة» لجسدي الذي بدأ ينمو، في حين أن صديقتي التي كانت أنحف منّي بكثير، لم تتلقَّ أي تعليق عند ارتدائها التنورة ذاتها. عندها بدأت أتساءل: هل أصبح جسدي عرضةً للحكم والمراقبة؟ هل أصبح وزني شأنًا عامًا يتابعه الآخرون؟
في الثالثة عشرة من عمري، توقّفتُ عن الأكل تمامًا. كان ذلك احتجاجي الكبير: حربٌ اخترتُ خوضها حيث كنتُ الجندي الذي يخسر أكثر ممّا يكسب—شعري، أظافري، صحّتي، اتّزاني العقلي. كيف يمكن لشيء بسيط مثل الطعام أن يُحكِم قبضته على حياتي لهذه الدرجة؟
هذا ما تفعله اضطرابات الأكل؛ تتسلّل إلى حياتك من دون استئذان، تستوطن أفكارك، وتفرض نفسها عليك. وإذا لم تقاومها، فلن تغادر. وحتّى عندما تعتقد أنّك انتصرت عليها، تترك وراءها آثارًا لا تُمحى. أكبر تلك الآثار هو الخوف. الخوف من التحسّن، الخوف من الانتكاس، الخوف من مشاركة قصّتك، الخوف من كشف مدى سوء حالتك، خوفٌ لا يتوقّف، كقرص مشروخ يكرّر نفسه يوميًا.
ورغم أن الطعام في لبنان غالبًا ما يُنظر إليه كرمز للحب والجمعات العائلية، إلا أنّه قد يكون أيضًا مصدر تهديد خفي لكثيرين. فاضطرابات الأكل في لبنان ليست مجرّد قضية فردية، بل هي نتاج عوامل ثقافية، وآثار نفسية عميقة، وتجارب عنف جنسي. هذا المقال يستكشف كيف تتقاطع هذه العوامل، ويُبرز الحاجة المُلحّة لفهم أوسع لاضطرابات الأكل في لبنان.
2001 – شيري في حضن عمتها في منزل جدتها في صور، جنوب لبنان. الصورة مقدّمة من شيري شقير.
اضطرابات الأكل وجذورها العميقة
اضطرابات الأكل ليست مجرّد عادات غذائية سيّئة، بل هي حالة نفسية معقّدة تنشأ من عوامل متعدّدة، منها الاجتماعية والنفسية وحتّى البيولوجية. يمكن للتجارب الصادمة، سواء أكانت جسدية أم نفسية، أن تشكّل أساسًا لهذه الاضطرابات، تمامًا كما يمكن للعوامل الوراثية أن تلعب دورًا أساسيًا في انتقالها عبر الأجيال.
تُعرّف منظّمة الصحّة العالمية اضطرابات الأكل بأنّها حالات نفسية تؤدّي إلى سلوكيات غذائية غير طبيعية وانشغال مفرط بالصورة الجسدية، ما ينعكس سلبًا على الصحّة الجسدية والنفسية للمصاب. ومن أبرز أنواع هذه الاضطرابات فقدان الشهية العصبي الذي يتميّز بالخوف الشديد من زيادة الوزن، ما يدفع المصاب إلى الامتناع عن تناول الطعام بشكلٍ صارم. هناك أيضًا الشره العصبي، حيث يعاني الشخص من نوبات من الإفراط في تناول الطعام، تتبعها سلوكيات تعويضية مثل التقيّؤ أو الإفراط في ممارسة الرياضة. أما اضطراب نهم الطعام، فهو يتمثّل في نوبات متكرّرة من الأكل القهري من دون أي سلوكيّات تعويضية لاحقة.
لكن من أين تبدأ هذه الاضطرابات؟ هل تبدأ عند سماع تعليق جارح؟ أم أنّ جذورها تمتد إلى ما هو أعمق؟
في حالتي، لم يبدأ اضطرابي مع تعليقٍ واحدٍ فقط، بل بدأ قبل أن أُولَدَ حتّى. كان يسري في دمي. جدّتاي الاثنتان عانَتا من أشكالٍ مختلفة من اضطرابات الأكل؛ إحداهما كانت تتناول الطعام بإفراط حتّى تمرض، والأخرى كانت تُجبِر نفسها على الجوع، محاوِلةً التحكّم في جسدها بأي ثمن. وبعد جيلَين، وجدتُ نفسي وسط المعمعة، أحارب ذات الشياطين، على ذات ساحة المعركة، وأطرح ذات السؤال الذي تناوبَت عليه كلّ النساء في شجرة عائلتي: «لماذا يتحكّم الطعام في حياتي بهذا الشكل؟».
2003 –شيري مع جدتها الروسية في مطبخها في باكو، أذربيجان. الصورة مقدّمة من شيري شقير.
التطبيع الاجتماعي مع التطفّل على الجسد
إنه ظهر يوم الأحد، ونحن مجتمعون حول طاولة الطعام في منزل جدّتي. وقبل أن أتمكّن من تناول لقمة واحدة من الطعام الشهي الذي أعَدَّتْه، قرّرَت عمّتي أن هذه هي اللحظة المثالية لفتح موضوع الوزن والأنظمة الغذائية على الطاولة. قالت بفخر: «أنا أعيش فقط على اللبن والقليل من الفاكهة يوميًا، وكان لذلك أثر سحري على شكلي». أبدى الحاضرون إعجابًا بحديثها، وتتالى الانبهار بقدرة تحكّمها بنفسها، وانهالت التعليقات على شكل جسدها، وكم فقدت من الوزن، وكيف يمكنها فقدان المزيد. لم يدرك أحد أنّ ما يحدث هو تطبيع صريح مع اضطرابات الأكل، والترويج لها من دون أدنى إدراك للعواقب.
رغم أن التجمّعات العائلية حول مائدة الطعام في العطل وفي نهاية الأسبوع تُعتبَر ركنًا أساسيًا في الثقافة اللبنانية، فإنها كثيرًا ما تتحوّل إلى مصدر إزعاج للنساء في العائلة. فالنقاشات حول الوزن والأنظمة الغذائية تجد طريقها إلى الطاولة كموضوع دائم التكرار، حيث يشعر الجميع فجأة أنّه من حقّهم أن يدلوا بدلوهم– كما تقول جدّتي، في ما يرونه مناسبًا من معايير الجسد المقبول.
في عام 2021، أعدّت الأخصّائية النفسية اللبنانية ريتا حاج دراسةً تضمّنت مقابلات مع 90 امرأةً لبنانيةً من خلفيات اجتماعية واقتصادية مختلفة، بهدف فهم دور المجتمع والعائلة في تفاقم اضطرابات الأكل في لبنان. أظهرت الدراسة تأثير العائلة ولا سيّما التعليقات المتعلّقة بالمظهر، إذ أفادت نساء عدّة أنّهنّ تلقّين تعليقات حول أوزانهنّ من الأمّهات والآباء وحتّى أفراد العائلة الممتدّة، ما زاد من قلقهنّ بشأن أشكالهنّ. وقد تبيّن أن هذه التعليقات المتكرّرة مرتبطة بشكلٍ وثيقٍ بزيادة حالات الأكل المُقيَّد والسلوكيات الغذائية المضطربة.
لكن التعليقات لا تبقى محصورة بطاولة الطعام. إنها تلاحقك أينما ذهبت: في العمل، في المواعيد العاطفية، وحتى في الشارع. ذات يوم، قرّر بائع الخضار الذي أقصده أنّه يملك الحق في أن يسألني: «كيف يمكنني أن أنحف مثلك؟»؛ وإذ يبدو الأمر للبعض كمجاملة، إلّا أنّه في الواقع ليس كذلك. الربط الدائم بين فقدان الوزن والإيجابية هو أمرٌ مدمّرٌ لشخصٍ يعاني من اضطرابات الأكل. وكأنّ الوحش الذي يتحكّم في عاداتي الغذائية وحياتي قد نال تحّية إعجابٍ علنية.
أما في العمل، فالتعليقات لا تقل تدخّلًا: «هل زاد وزنك قليلًا؟ معليش، يُلائمك ذلك!». ثم في الشارع، يختار سائق الدرّاجة النارية التعليقَ المناسب لجسدي بشكلٍ دوري، ما يجعلني أرغب في العودة إلى سريري وعدم مغادرته أبدًا. هذا التدقيق المفاجئ في جسدي ليس مزعجًا فقط، بل غير ضروري على الإطلاق. وهنا يتبادر السؤال إلى ذهني: من أعطى أي شخص الحق في التعليق على جسدي أصلًا؟
صورة بعدسة صدف عرفان على Unsplash. مُعدّلة.
تأثير الصدمات الجنسية على أنماط الأكل
لو سُئلت عن أكثر ما كرهته في فترة مراهقتي، لوضعت الهرمونات في المرتبة الأولى من دون تردّد. كنت أعرف تمامًا ما ينتظرني. رأيت ذلك يحدث من حولي، فقد نشأت في عائلة يغلب عليها الطابع الأنثوي: أمي، وجدتي، وأخواتي الثلاث.
كنت أدرك أن ذاك العمر سيأتي، حين يتحوّل جسدي فجأةً إلى محور اهتمام، ويبدأ الحديث يدور عمّا نما فيه وما لم ينمُ، عمّا يمكن اعتباره جنسيًا وما لا يُعتبر كذلك، وعمّا لا ينسجم أبدًا مع معايير الجمال المفروضة. كنت أعلم أيضًا أن جسدي بات أكثر عرضةً لأن يُساء التعامل معه أو يُلمس من دون إرادتي.
استرجاع كل «حادثة» تحرّش مررت بها منذ أن بلغت الثالثة عشرة يشبه محاولة عدّ شعر رأسي. كلّ تعليق، كلّ لمسة، كلّ نظرة غير مرغوبة، كانت تجعلني أرغب في تجويع جسدي أكثر. كنت أريد معاقبة منحنياتي التي ظهرت من دون إذني، لأنها أصبحت، من دون قصد، «نداءً» لأعينٍ وأيدٍ كائنات قذرة تعتقد أن لها الحق في فرض وجودها على ما لا يخصّها.
تشير الصدمات الجنسية إلى أي فعل جنسي يُفرَض على شخصٍ من دون موافقته، وتشمل الاعتداء الجنسي، والتحرّش، وسوء المعاملة. هذه الانتهاكات قد تؤدّي إلى تحديات نفسية وجسدية هائلة للناجيات. في لبنان، لا تزال الاعتداءات الجنسية، سواء أكانت تحرّشًا أم اعتداءً جسديًا، مشكلة خطيرة تواجه النساء. فقد كشفت دراسة أجريت عام 2018 أن 37.1% من النساء اللبنانيات تعرّضن لعنف جسدي، بينما واجهت 49.4% من النساء نوعًا من العنف غير الجسدي.
كان سن الثالثة عشرة هو الأسوأ لاضطرابي الغذائي. في ذلك العمر، قرّرتُ أن الطريقة الوحيدة لحماية نفسي هي أن أختفي جسديًا. كلما قلّ حجمي، قلّ احتمال استغلالي. لكن أيدي المعتدين لم تتوقّف عن إيجاد طريقها إلى جسدي، حتى وهو يتضوّر جوعًا، ما دفعني إلى فرض أنظمة أكثر صرامة على نفسي. كنت أرى في استمرار دورتي الشهرية فشلًا في محاولتي قهر مرحلة البلوغ والتغيّرات التي جلبَتَها لجسدي.
بالطبع، ليس كل مَن يتعرّض للاعتداء الجنسي يُصاب لاحقًا باضطراب الأكل، لكن الرابط بينهما لا يمكن إنكاره. فقد أظهرت الدراسات وجود علاقة وثيقة بين الاعتداء الجنسي وتطوّر اضطرابات الأكل، حيث أشارت الأبحاث إلى أن بين 30% و65% من الأشخاص المصابين بفقدان الشهية العصبي قد تعرّضوا لسوءِ معاملةٍ، جنسيًا، في طفولتهم.
كما كشفت تحليلات أوسع أن الأشخاص الذين تعرّضوا للإيذاء في الطفولة، بما في ذلك الاعتداء الجنسي، هم أكثر عرضةً بثلاثة أضعاف للإصابة باضطراب الأكل لاحقًا في حياتهم. هذه النتائج تسلّط الضوء على التأثير العميق للصدمات الجنسية، وتؤكّد الحاجة الملحّة لتوفير المزيد من الدعم النفسي والاجتماعي لمن عانوا منها.
تشرين الثاني 2024 – صور التُقطت بعدسة والد شيري في منزل جدتها في صور، جنوب لبنان، بعد ليلة من الغارات الجوية. كانت قوات الاحتلال قد قصفت الشقة الواقعة فوق منزلهم مباشرة، وأخرى خلفه. الصورة مقدّمة من شيري شقير.
حرب على الجسد والعقل
في أيلول 2024، واجه لبنان حربًا شاملة بعد أشهر من العدوان الإسرائيلي على جنوب لبنان والبقاع. تركت الحرب آثارًا مدمّرة على البلاد وأدّت إلى سقوط آلاف الضحايا. بدا من الأنانية أن يعود اضطراب الأكل الخاصّ بي في تلك اللحظة، لكن ها هو قد عاد بكل قوّته. رأيت صورًا لغرفة الطعام في منزل جدتي، تلك الطاولة التي جمعتنا في المناسبات الخاصة، وقد تمزّقت بفعل صاروخٍ إسرائيليٍ استهدف مسقط رأسي في صور، جنوب لبنان.
لم أفكّر يومًا في تلك الطاولة، ولا في الوجبات التي تناولناها حولها، ولا في الصدمات، ولا الضحكات، ولا الطعام اللذيذ الذي كنت أرفض تناوله. أدركتُ فجأةً أنّني لن أعيش تلك اللحظات مرّةً أخرى—ليس لأنّ جدتي توفيت، بل لأن المكان بذاته لم يعد موجودًا. كان الشعور بالذنب حتميًا، وكذلك كانت العوامل المُحفِّزة لعودة اضطراب الأكل، الذي تسلّل مجدّدًا إلى حياتي أثناء الحرب. لأوّل مرة منذ شفائي، وجدتُ نفسي أتوق لاستعادة السيطرة على الشيء الوحيد الذي يمكنني التحكّم به: جسدي والمساحة التي يشغلها.
تشرح ميرا يوسف، وهي طالبة ماجستير في علم النفس تستند في بحثها إلى العلاقة بين اضطرابات الأكل واضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، قائلةً: «مثل أي اضطراب نفسي، فإن الصدمة هي الجذر الأساسي للاضطراب. لكن ما لا نذكره عادةً هو وجود نوعين من الصدمات: الصدمة الأوّلية والصدمة الثانوية».
وتوضح يوسف أن الصدمة الأوّلية هي التي تحدّد موقعنا على طيف الصحّة النفسية، وهي كل صدمة نتعرّض لها في السنة الأولى من حياتنا، عندما لا يتم تلبية احتياجاتنا كمواليد جدد. وقد تم ربط اضطرابات الأكل بشكلٍ كبير بالعلاقة بين الأم والطفل في هذا العام الأول.
أما الصدمة الثانوية، فهي تلك التي نمرّ بها في مراحل لاحقة من حياتنا، وهي عامل رئيسي في تطور اضطرابات الأكل. قد تشمل هذه الصدمات التعرّض للإساءة، أو مشاهدة العنف، أو المرور بتجربة الحرب والنجاة منها.
عندما لا يستطيع العقل المضطرب التحكّم في العالم من حوله، فإنه يسعى للسيطرة على ما يمكنه التحكّم به— وغالبًا ما يكون ذلك الجسد الذي يحمله. أصبح عقلي كطُفَيليّ يقاتل من أجل السيطرة الكاملة على جسدي. ومع استمرار ضخّ الأدرينالين في عروقي، أصبح الطعام أمرًا ثانويًا، ومع الانشغال الدائم بالبحث عن الأمان، كان «التمرين» يُمارَس تلقائيًا من دون وعي. أصبح طلب المساعدة أمرًا مستحيلًا—كيف يمكن لحرب داخلية على جسدي أن تعادل الحرب المشتعلة في الخارج، حيث بالكاد يمكن التعرّف على الأجساد؟
لقد تمّ ربط الضغط النفسي المتعلّق بالحروب بتطوّر اضطرابات الأكل لدى المدنيين بشكلٍ وثيق. وفقًا لدراسة نُشرت في مجلة Comprehensive Psychiatry، فإنّ البالغين الذين تعرّضوا لضغوط الحرب وشهدوا اضطرابات في أنماط أكلهم خلال تلك الفترة كانوا أكثر عرضةً بشكل كبير للإصابة باضطرابات الأكل لاحقًا في حياتهم. ووجدت الدراسة أن 31.4٪ من المشاركين ظهرت عليهم علامات اضطرابات الأكل، ما يسلّط الضوء على العلاقة المباشرة بين التغيّرات في السلوك الغذائي أثناء الحرب وزيادة احتمال الإصابة بهذه الاضطرابات.
ومع ذلك، بدا الحديث عن المعركة التي تدور في رأسي أمرًا تافهًا وغير مهم. ففي أوقات السلم، لا يُؤخذ اضطراب الأكل على محمل الجد، فما بالك في زمن الحرب؟ تشرح يوسف ذلك قائلةً: «الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل، مثلهم مثل أي مريض نفسي آخر، قد طوّروا هذه السلوكيات كآلية دفاعية ضدّ الضغوط. في اضطرابات الأكل، ترتبط بعض هذه السلوكيات بالتحكّم بآليات مختلفة. عندما لا يستطيع المريض التحكّم في ما يدور حوله، تزداد لديه الرغبة في التحكّم في ما يدخل في جسده أو يخرج منه. هذا يعني أنّ الحرب يمكن أن تزيد بشكلٍ كبير من حدّة الاضطراب».
ما دمّرته الغارة في الخارج، أعاد الاضطراب إشعاله في الداخل—حرب صامتة خيضت على مائدة الطعام.
صورة بعدسة د. ماتياس ريب على فليكر(CC BY 2.0) 2018).
هل هناك ضوء في نهاية النفق؟
كان التعافي أشبه بالهزيمة الشخصية. عشرة أعوام من الانضباط، والتقييد، ومن مذاكرة أعداد السعرات الحرارية في الأطعمة جميعها—ماذا أفعل بها الآن؟ مَن أنا مِن دون اضطراب الأكل؟ من دون الغضب الذي كان يُغذّيه بعناية، ومن دون الشعور الدائم بالحاجة إلى السيطرة؟ لقد تحوّل اضطراب الأكل إلى أقرب صديق لي، الشخص الوحيد الذي يعرف أعمق وأظلم أسراري؛ التخلّي عنه كان يعني فقدان جزء مني. لكن ذلك كان ضروريًا، لأنني إن لم أقتله، لكان قتلني هو أوّلًا.
قد يظنّ البعض أن اضطرابات الأكل مجرّد نكتة تتعلّق بعارضات الأزياء أو مجرّد تعليقٍ على فقدان الوزن، لكنها في الواقع خطر وجودي حقيقي على مَن يعاني منها. تقول يوسف: «اضطرابات الأكل ليست شيئًا يفهمه مجتمعنا أو يعترف به. لذلك، يُنظر إلى المرضى كما لو أنّهم يبالغون أو يعانون من الهستيريا. وعلاوة على ذلك، فإنّ اضطرابات الأكل تظلّ أكثر قبولًا اجتماعيًا عند النساء مقارنةً بالرجال».
وعندما لا يؤخَذ المرض بجدّية، لا تُتّخذ وسائل العلاج بجدّية أيضًا. تضيف يوسف: «لا تزال الصحّة النفسية من المُحرَّمات، وإن كان بدرجة أقل من السابق، ما يجعل من الصعب على المرضى طلب المساعدة. المعالجون النفسيون يُنظر إليهم في الغالب كرفاهية. وهنالك أيضًا نقص في المراكز المتخصّصة في إعادة التأهيل من اضطرابات الأكل. للتغلّب على الأنماط السلوكية الإدمانية المرتبطة باضطرابات الأكل، يحتاج المرضى إلى نهج علاجي شامل يتضمّن معالجًا نفسيًا، وطبيبًا نفسيًا، وأخصّائيّ تغذية على أقل تقدير».
حتّى بعد سنوات من العلاج، لا تزال بعض الأيّام تبدو لي كمعركة. وزني، وجسدي، وأفكاري تطغى على كل شيء، وأحيانًا يبدو الأمر وكأنّ العيش داخل هذا الجسد مرهق حَدَّ الإنهاك. وإن أخبرتُ مَن حولي بهذه الأفكار، سأكون قد كشفتُ أعمق أسراري وأكبرها.
هناك العديد من الأشخاص الذين يعانون بصمت من اضطرابات الأكل، مع وجود ضغوط ثقافية ونفسية وصدمات متراكمة تثقل كاهلهم. ورغم أهمية المطالبة بالاعتراف بهذه الاضطرابات وضرورة تقديم علاج شامل لها، فإن شيئًا بسيطًا كالتفهّم واللطف قد يصنع فرقًا كبيرًا. في النهاية، التغيير الحقيقي في التقاليد الاجتماعية البالية والمدمّرة يبدأ على المستوى الفردي.

Chiri Choukeir
Chiri Choukeir is a freelance journalist, photojournalist, and data analyst based in Lebanon. She has contributed to various publications, including An-Nahar and L'Orient le Jour, focusing on a wide range of topics with an emphasis on data-driven insights and visual storytelling.









