منذ عقود وحتى اليوم، دأبت النساء الفلسطينيات على زراعة النباتات البلدية لتغذية أسرهن وشفائها. رسم توضيحي من تنفيذ غيد خطيب.
في عمق الليل، اجتمعت ثلاث نبتات في حضن الجبل.
الميرمية، الخبّيزة، والزعتر، افترشن النسيم وتوسّدن الأرض التي حفظت وجوه النساء، أصواتهنّ، تعاويذ الشفاء، ودموع التعب.
كانت الليلة مختلفة. لا حديث عن الندى، ولا عن مقصّات القطاف، ولا عن المزاج المتقلّب للشمس.
اتّفقن، بصمتٍ عتيق، على تجاوز أحاديث الأعشاب اليومية، وعلى الشروع في نوعٍ آخر من الحكايا: حكايا عن النساء اللواتي حملْنَهنّ في قلوبهنّ قبل أن يجمَعْنهنّ في السلال، سقينهنّ من دمع الشقاء قبل أن يفعل المطر، وعلّقنهنّ في النوافذ كتعويذة بقاء.
في تلك اللحظة، كان البدر مكتملًا، معلقًا في السماء كعينٍ لا تغفل، كصوتٍ هادئٍ يشهد، وكضوءٍ يعرف طريقه إلى التفاصيل المنسية.
لم يكن نورًا عابرًا، بل راويًا يسير على صفحة الحقول، يتلمّس الظلال، ويحفظ الحكايات في صدره.
رأى ما لم تره الكاميرات، وسمع ما لم يُكتب. كان هناك، حاضرًا، فوق جبال بيت فُجّار، وعند وديان البطوف، وفي الحقول المنسية بين يعبد وعيلبون.
قال البدر الراوي، مخاطبًا إيّانا:
“قبل أن تبدأ القعدة، دعوني أروي لكم لماذا صارت هذه الليلة ضرورية. لماذا اجتمعت الميرمية، والزعتر، والخبّيزة بعد صمتٍ طويل.”
تنهد البدر، واستكمل حديثه بهدوء العالمين:
“دعوني أقدّم لكم ما يُشبه الخلفية، فليست كل الليالي تُنصت، ولا كل القصص تجد من يرويها.
وما سيُقال الآن، هو خلاصة أعمارٍ من الصمت.
هو ما لا يُعلَّق على لافتة، ولا يُدَوَّن في قانون.
هو ما بدأ من لحظة خفتت فيها الحكاية، وبدأت تقارير وتصنيفات وقوانين تأخذ مكان الممارسة. من هناك، بلشت القصة.”
العلاقة بين الفلسطيني والنباتات البرية لم تكن يومًا تفصيلًا صغيرًا في يومه. لم تكن الزراعة وسيلة بقاء فحسب، بل كانت امتدادًا للهوية، ولطريقة عيشٍ لا تعتمد على السوق أو الدولة، بل على المعرفة، التكرار، والطقس.
منذ النكبة عام 1948، بدأ تفكيك هذه العلاقة بشكل ممنهج. لم يقتصر الأمر على مصادرة الأراضي أو هدم القرى، بل شمل محاصرة العادات التي تربط الناس بأرضهم.
ما كان يومًا طبيعيًا وبديهيًا، صار لاحقًا مستهدفًا، مراقبًا، ومقننًا.
في عام 1950، سنّ الكنيست قانونًا بعنوان “حماية النباتات – أضرار الماعز”، المعروف بـ”قانون العنزة السوداء”.
وُضِع هذا القانون بحجة حماية الغطاء النباتي من أضرار الماعز، لكن الهدف الحقيقي كان إقصاء المزارعين والرعاة الفلسطينيين من أراضيهم، وإضعاف وجودهم في الريف.
تقليص حركة الماعز كان وسيلة غير مباشرة لتقليص الاكتفاء الذاتي، وتجفيف مصادر الدخل الصغيرة، خصوصًا للنساء اللواتي اعتمدن على هذه الدورة الزراعية لتأمين قوت أسرهن.
لاحقًا، ومع تواصل المشروع الاستعماري، تم تصنيف الزعتر والميرمية والخبّيزة ضمن ما يُسمى “النباتات المحمية”.
قوانين بيئية ظاهرها الحفاظ على الطبيعة، وباطنها قطع الصلة بين الفلسطيني ونباتاته. بات قطف هذه الأعشاب يعتبر جريمة بيئية، تُغرَّم عليها النساء اللواتي اعتدن جمعها لأجيال، في قرى مثل بيت دقّو، وكفر مندا، ومحيط جبل جرزيم.
ثم، في عام 1963، أُقرّ قانون جديد تحت مسمى “قانون الحدائق الوطنية والمحميات الطبيعية”.
عبر هذا القانون، تمكّنت السلطات من إغلاق مساحات شاسعة من أراضي القرى المهجّرة أو المناطق المفتوحة التي كانت تقليديًا تُستخدم للرعي أو لجمع الأعشاب البرية.
وبموجب هذا القانون، أصبح مجرد الدخول إلى هذه المناطق، أو قطف نبتة فيها، فعلاً مُجرَّمًا يُعامل كإضرار بالنظام البيئي.
تزامن ذلك مع سياسة قانونية أخرى أقل وضوحًا، لكنها أكثر تأثيرًا: تصنيف معظم أراضي الفلسطينيين المُهجّرين على أنها “أراضي دولة” بموجب قانون أملاك الغائبين.
هذا التصنيف حوّل التجوال في الحقول القديمة، أو جمع النباتات في الأراضي التاريخية للعائلات، إلى ما يُعتبر قانونًا “تعديًا على ملكية الدولة”.
حتى من وُلد في المكان، لا يُسمح له بالعودة إليه إلا كمُراقب من خلف الشريط أو كـ”مخالف” محتمل.
بالتوازي، عمل الاحتلال على إضعاف البيئة الطبيعية نفسها، عبر سياسات التخريب المنهجي للأرض: من بناء جدار الفصل، إلى التوسّع الاستيطاني، إلى تحويل المساحات الزراعية إلى مناطق عسكرية أو صناعية.
كل ذلك ساهم في تدمير التنوّع البيئي المحلي وتقليص المساحات التي تنمو فيها هذه النباتات، خصوصًا في السهول الشمالية، وتخوم الأغوار، والهضاب المفتوحة في الداخل.
حين انتهى البدر من حديثه، ساد صمت قصير، كما لو أنّ الحقول نفسها كانت تلتقط أنفاسها.
لم يكن هناك إعلانٌ صريح لبداية جديدة، لكنّ الريح تغيّرت، واللهجة تبدلت، ورائحة الأرض ازدادت حضورًا.
كل نبتة، رغم الألفة العميقة التي تربطها بالأخريات، شعرت أنّ الوقت قد حان لتُعيد تعريف نفسها — لا للرفيقات فقط، بل لنفسها أولًا.
كنّ بحاجة لأن يُذكّرن العالم — ويُذكّرن أنفسهنّ — بمن يكنّ، قبل أن يتحوّلن إلى مجرّد صور على علب شاي أو كتب تراث، أو تهمة على ورقة مخالفة.
يُستخدم الزعتر البري في المنازل الفلسطينية لأغراض طبية متعددة. تصوير رامي الصبّان.
قالت نبتة الزعتر، وهي تملأ المكان بعطرها الدافئ: “أنا الزعتر تبع الفطور، وطعم الغدا، وريحة الغايب من زمان. كنّا ننتقطف من بين الصخر مع أوّل الضو، ننبسط عالسطوح، ونتنشّف بالفي، وبعدين يخلطوني بالسمسم وزيت الزيتون، وأصير زوّادة تنحط بالشناتي، للمدرسة، وللشغل، وللغُربة.
كنّت أنغلى مع الشاي، للوجع البطن، وتهدّي الكحّة، ويحطّوني بمرطبانات زجاج، أو بأكياس خيش، ويتعلّقوا عحبال المطبخ.
كانوا يودّوني مع الطرود، ويهرّبوني من بين الحواجز، ويضيفوا فيّي بالبيوت.
أنا كنت دايمًا من طقوس الدار، وهدية تتمشّى من بلد لبلد، من القرية للمخيّم، ومن أم لبنتها.
أنا الزعتر، لا تشبيه ولا مجاز، أنا من لحمة يومك، من ريحة صباحك، وما في نهار بفزّ بلاي.”
في عام 1977، وبعد مرور عامٍ واحد فقط على مجزرة «تل الزعتر» في لبنان — المخيّم الذي دُمّر بالكامل وسُفكت فيه دماء آلاف الفلسطينيين — أدرج وزير الزراعة الإسرائيلي، أريئيل شارون، الزعتر في قائمة “النباتات المحمية”.
لم ترتبط المجزرة والقانون رسميًا، لكن رمزيتهما كانت صارخة: نبتة حملت اسم المخيّم، فجُرّمت بعد الفقد، كأن الاحتلال لم يكتفِ بذبح الجسد، بل أراد السيطرة على الذكرى بالاسم ذاته،نذ ذلك الحين، لم يُعد جمع الزعتر فعلاً بيئيًا فقط، بل جرمًا قانونيًا يعاقب عليه بالسجن أو الغرامات. لم يكن الهدف حماية الطبيعة، بل تحويل الطقس البسيط إلى نشاط خاضع لأوامر الاحتلال.
فالمسّ بالنبتة لم يكن فقط بيئيًا أو اقتصاديًا، بل استهدف قدرة الناس على اللقاء، على حفظ الطقوس، وعلى تثبيت العلاقة العضوية بين الجماعة والأرض،تزامن ذلك مع تأسيس “الدورية الخضراء” عام 1976، التي صُمّمت لتنفيذ القوانين البيئية، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى أداة استعمارية:ملاحقة المزارعين والرعاة،مصادرة محاصيل القرى،وهدم منازل بذريعة “الانتهاك البيئي”.
زهور برية من فلسطين. الميرمية البيضاء. 1900. الصورة من مجموعة صور ماتسون (إريك وإديث ماتسون). مكتبة الكونغرس.
ابتسمت الميرميّة عالزعتر، وقالت بصوت بِشبَه ريحة التراب بعد المطر:
“وأنا كمان دِقِت طَعم الملاحقة، يا رفيقي بالميدان. كانوا يلقطوني مع أول الضو، ويخبّوني بزوايا الدار، ستّاتنا يخبّوني بأكياس قماش، فوق رفوف ما بتوصلها عين ولا دورية.
أنا الميرمية، العشبة اللي كانت دايمًا تغلي على نار هادية بكل بيت. صوتي يطلع مع بخار الشاي، وأقعد بكفّ إمّ عم تراقب ولادها، أو بصدر راجل تعب من نهاره.
ما كنت بس شاي، كنت سَكْنة، كنت راحة بعد التعب، ونفس طويل بعد يوم خانق.
كنّت أنغلي مع ورق الشاي، وأروح على الرأس الواجع بلسم من دون صوت. كانوا يلاقوني بالزوايا، بين الإيدين الخشنة، وبالبيوت اللي ريحتها بترجعك لورا
النسوان كانوا يعرفوني زي ما بيعرفوا تعبهم. كانوا يسلوني للولاد، يحضّروني بطقوس ما بتشبِه دوا صيدلية، يرشّوني على الراس الواجع، ويقدّموني هدية، مثل كفّ دافي عجبين الحزن.
كنت دايمًا حاضرة، بالفرح وبالوجع. زيّنوا القبور بريحتي، ورفعوني بالأعراس والولادات.
سمعت الزغاريد، وسمعت النّدب.
شِهدت كيف بتمرّ الحياة من باب لبواب، من غرفة لممرّ.
وكان صوتي موجود بالهزيجات:
زرعنا الميرميّة عباب الدار
زرعنا الميرميّة بالحاكورة
زرعنا الميرميّة بالبساتين…
كنت غنوة حياة.
بس لمّا انكسرنا، وصار الزرع مهدد، والوطن مجروح، انقلبت الهزّيجة لنشيد مقاومة:
يمّه أعطيني الفدائي ولو ببلاش
خَشّ الأرض المحتلّة بإيدو رشاش…
تغيّرت الكلمات، بس أنا ضليت.
ضليت العشبة اللي بتنحاك بالحكايات، وبتتغنّى بالسجون وبالدبكات.
ولمّا الأرض صارت تُمنع علينا، صاروا يلاحقوني متلك، يا زعتر.
صار لقْطي ممنوع، وصار رمزي يقلقهم.
بس أنا بقولها، متل ما قالوها الستّات من قبلي:
فلسطين تنادي عالحرّين…
أنا الميرميّة. ما بنلْقط وبس، أنا بنْقال.
ما بنْبت وبس، أنا بتتغنّى.
أنا ضِلّ الماضي لمّا بدهم يمحوه، وطعم الانتماء لمّا الناس بتضيع.
أنا اللي ضليت، لمّا راحوا كتير.”
رغم أنّ الميرمية لم تُدرج رسميًّا ضمن قائمة “النباتات المحمية”، إلا أن ملاحقة وجودها لم تكن أقل شراسة. منذ منتصف السبعينات، بدأت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بفرض سياسات زراعية جديدة في الضفة الغربية والجليل، ركّزت على إحلال زراعات بديلة في المستوطنات، خاصة النباتات الطبية والعطرية، بدعم مباشر من وزارتي الزراعة والاقتصاد. تمّ الترويج لتلك الأعشاب كمصدر دخل للمستوطنين الجدد، بينما خُنقت الأسواق الفلسطينية بشروط التراخيص، وتم منع النساء الفلسطينيات من بيع أعشاب مثل الميرمية والخُبّيزة في الأسواق المركزية دون تصاريح مسبقة، غالبًا ما تُرفض.
أما في الثمانينات، فقد رُبطت الميرامية بشكل مباشر هي والأعشاب البرية بمخاطر “عدم مراقبة الجودة”، وصدر تعميم من “الإدارة المدنية” يُلزم المنتجين الفلسطينيين بتقديم عينات لفحوصات مخبرية قبل التوزيع التجاري، بينما لم تُفرض هذه الإجراءات على المنتجات المزروعة في المستوطنات.
الخبيزة (Malva pusilla)، نبتة برية تنمو في البراري الفلسطينية، تُعرف باسم “العشبة العنيدة” لقدرتها على النمو في أماكن غير متوقعة. تصوير محمد شراونة عبر ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0).
طلّت الخبيزة بورقها الأخضر، وقالت بصوت ناعم طالع من بين الغيم والمطر:
“أنا الخبيزة. بعرف حالي بسيطة، مش عشبة للطقوس، ولا نغمة بالأغاني، بس كنت دايمًا حاضرة لمّا تضيق.
أنا مش بس عُشب طالع بعد الشتا، أنا كنت نجاة.
لما البطون كانت فاضية، والجيبة ما فيها ولا شيكل، كنت أنا الزوّادة.
ما كنتش أستنى الأرض المزروعة، كنت أطلع من بين الحجر، من حافّة الطريق، من الحاكورة، من بين البلاط. النسوان كانوا يعرفوا وقتي، يطلعوا بكير مع الفجر، سلة بإيد وسكّينة بإيد، يلملموني، يغسلوني بالطشت، ويحطّوني عالنار مع شوية ثوم وزيت.
كنّا نتحلّق حوالين الطنجرة، خبيزة وخبز طابون، وصحن كبير بالوسط، يمدّوا فيه الخبز ويتغمّسوا، ويتحمّدوا ربهم.
الناس كانت تمزح وتقول:
“عزمتني ع العشا يا عيوني،
تاري العشا خبيزة! يا الله، أوف!”
بس أنا مش نكتة.
أنا كنت وجبة الكفاف، بس كنت كمان عزّ.
ولمّا الحصار لفّ المدن، ولما السبل انسدّت، أنا كنت أرجع.
أرجع من الأرض بلا إذن، بلا تصريح، بلا خريطة.
أرجع وأقول: “لسّا فينا نعيش، ولسّا فينا نكمّل.”
في العام 2011، أصدرت “كيرن كيميت لإسرائيل” (الصندوق القومي اليهودي)، بالتنسيق مع “سلطة الطبيعة والحدائق”، مجموعة من النشرات الداخلية التي عبّرت فيها عن “القلق المتزايد من تفاقم ظاهرة قطف النباتات البرية من قِبل المواطنين العرب”، مُعتبرة هذه الممارسة تهديدًا للنظام البيئي في المناطق المفتوحة. وقد تمّ في تلك النشرات ذكر نبتة الخبيزة بالاسم، كمثال على النباتات التي يُشتبه بأنها تُجمع بكميات كبيرة خلال مواسم معينة، خاصة من قِبل النساء في القرى والتجمّعات الفلسطينية المحيطة بما يُعرّف كمحميات طبيعية.
استنادًا إلى هذا الطرح، دعت الجهات الرسمية إلى “تنظيم هذه الظاهرة”، ومن ثم بدأ العمل على تعديل ملاحق قانون حماية النباتات لسنة 2025، بما يشمل إدراج أنواع إضافية من النباتات ضمن قائمة “الأنواع المحمية قانونيًا”، ومن بينها الخبيزة. وبموجب هذا التصنيف، أصبح قطف هذه النبتة من الأراضي المصنّفة كمناطق طبيعية أو تابعة للدولة يُعدّ مخالفة قانونية، يُعاقب عليها بغرامات مالية أو بإجراءات جنائية قد تصل إلى فتح ملف جنائي في حال تكرار المخالفة أو الاشتباه بالجمع لأغراض تجارية.
وهكذا، تحوّلت الخبيزة – تلك النبتة التي تنبت بعناد في البراري، وعلى أطراف الشوارع، وبين شقوق الأرصفة والأسوار – من رمزٍ للنجاة والوفرة إلى موضع ملاحقة قانونية. لكن المفارقة تكمن في أن القانون الذي سعى إلى ضبطها بدا عاجزًا أمام قدرتها الفطرية على النمو في كل زاوية غير مُسيّجة. صار حمل سكّين صغيرة وكيس نايلون في نزهة ربيعية فعلًا يُحتمل تأويله كتهديدٍ للنظام، بينما النبتة نفسها تتابع ظهورها بهدوء من تحت الإسفلت، كأنها تذكّر بأن ما ينبت من الأرض لا يُحاصر بسهولة، ولا يُصادر بمرسوم.
ساد بين النباتات سكون، مش من التعب، بل من تراكم المواسم في الحلق. كأن الأرض نفسها انحنت لحكاياتهن، صارت أقرب، تراقب وتتنفّس. كل نبتة كانت شايلة في ورقتها اسم امرأة: أم من الرامة كانت تفيق قبل الفجر، تجهّز أولادها وتشدّ الطرحة وتطلع تلمّ الميرمية من تلال بيت فجار؛ تيتا من عرابة البطوف كانت تلف الزعتر بخيط أخضر وتحطّه بخزانة الخشب بين كتب قديمة وريح المسك؛ أو خالة من يعبد كانت تطبخ الخبيزة بزيت جديد، وتحكي للحارات عن أول شتوة غرّقت الزريعة بعد موسم الجفاف.
ما كان الحكي عن زراعة بس، بل عن إرث يُقطف ويُخزن، عن أصابع حافظت على الطُرُق والروائح والقصص. ومع كل ذكر لبوابة حديد أو مخالفة أو أرض محجوزة، كانت الذاكرة تردّ بلقطة من بيت، بوجبة مسائية على الحصيرة، أو بزغردة بعرس حضرته سلال الزعتر.
ومن هون، بدأت الحكايات تتغيّر نبرتها. ما عاد في تقارير ولا قوانين؛ صار في صوت تيتا، نَفَسها وهي بتعدّ الأيام، وبتحكي للنبتة عن سرّها، عن مواسمها، وعن كيف كانت تطلع إلها من نفس الطريق، وتحكي لها شو صار من يومين بالحارة، وتحلف ما تطبخها إلا بزيت السنة.
وكل نبتة، كانت تردّ بابتسامة ساكتة، شايلة بحفيفها ثمن حبابة، دفعت عمرها وهي تلمّها.
*************************************
فرضت إسرائيل قوانين وأنظمة متعدّدة تمنع النساء الفلسطينيات من جمع الأعشاب البرية، بذريعة “حماية النُظُم البيئية”. تصوير رامي الصبان.
أسهب الزعتر في الكلام، وراح يتحدّث عن «صدمة تيتا زهرة: الحبس المنزلي بسببي».
في ظهيرةٍ دافئة، جلست تيتا زهرة بجانب النافذة، تنظر إلى الجبال البعيدة حيث اعتادت أن تجمع الزعتر بين الصخور، تشمّ رائحته قبل أن تلمسه، تمرّر أصابعها فوق أوراقه الصغيرة كأنّها تباركه، وتردّد بصوت منخفض: «كان ينمو لنا، وكنّا نكبر معه». كانت تعرفه بكل أنواعه— الزعتر البرّي القوي في نكهته، الزعتر البلدي الناعم على اللسان، والزعتر الذي يزهر في أوائل الربيع، مكسوًا بزهور بنفسجية صغيرة كأنّها تنادي من يقطفها. في بيتها، كان للزعتر حضور دائم. على الفطور، مع زيت الزيتون، في الشاي الساخن لعلاج الصدر، وفي أعواد صغيرة تضعها تحت الوسائد لطرد الأرق. لكنه اليوم بعيد عنها، محجوز وراء قوانين لم تفهمها يومًا.
ذلك الصباح، إثر عودتها من الجبل مع حفنة زعتر في يدها كما اعتادت طوال حياتها، لم تتوقّع أن ينتهي بها الأمر في غرفة تحقيق. سُئلت وكأنّها اقترفت جريمة، حُبست في الزاوية مثل متّهمة، وكأنّها سرقت ما ليس لها. لم تفهم كيف يمكن أن يكون للزعتر مالك غير الأرض نفسها. «قالوا لي إنه محظور، إنه ملك للدولة. لكن لمن تكون الأعشاب إن لم تكن لمن زرعها التراب؟ الأرض تُروي وحدها، فهل ستسجنون المطر أيضاً؟». أُجبرَت على التوقيع على أوراق لم تقرأها. أُطلق سراحها بشرط أن تبقى في بيتها، حبسٌ منزليٌ بلا قيد، لكن الجدران كانت كافية لتحرمها من الجبال ومن العادة التي حملتها معها منذ أن كانت طفلة.
مريم إم إمال، مزارعة من منطقة غور الأردن في الضفة الغربية. في عام 1950، أقرّ الكنيست قانونًا جرى تقديمه على أنه إجراء لحماية البيئة من أضرار الماعز، إلا أن هدفه الفعلي كان دفع المزارعين والرعاة الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم وإضعاف حضورهم في الحياة الريفية.
تصوير تروكير (آلان ويلان)، عبر ويكيميديا كومنز (CC BY 2.0)
ثم تنهدت الميرامية وقالت أن لديها قصّة مشابهة عن خالتها المفضلة، «خالتو عزية: حكاية الأرض والرائحة والرصاصة».
على عتبة بيتها، تجلس خالتو عزية كل صباح، يدها لا تهدأ وهي تقلّم حزم الميرمية بعناية، تفرز الأوراق اليابسة عن الطازجة، وتشدّ الخيوط حول الحزم الصغيرة بإحكام. يمرّ أحد الشباب في الحارة، يبتسم قائلاً: «يسعد صباحِك خالتو، شو، لسّاتكِ بتلمي الميرمية؟»، فتردّ ضاحكةً وهي تهزّ رأسها: «الميرمية إلنا يا حبيبي، مش إلهم… اللي بنقطفه بإيدينا الأرض بترويه بدمها، مش كالميرمية اللي بيبيعوها بالسوبرماركت».
الميرمية عند خالتو عزية ليست مجرد عشبة، هي دواء وزاد، رفيقة للبرد، حارسة للأمّهات. حين ترتجف معدة طفل في الليل، تُسارع الأمّهات لتحضير كأس منها. حين ينهك الرجال التعبُ في الحقول، يسكبون الشاي المغلي بأوراقها ليعيد لهم طاقتهم. حين تحزن النساء، تضع كل واحدة منهنّ حفنة صغيرة تحت وسادتها، علّها تحلم بما هو أخفّ من هذا العالم المثقل بالحواجز.
خالتو عزية تعرف كل أنواع الميرمية: «هاي الميرمية البلدية، أوراقها مليانة زيوت، ما بتقدر تمسكها بين أصابعك بدون ما تترك ريحة. وهاي الطويلة إلها طعم مر شوي، بس بتطوّل بالجسم. وهاي اللي بيسموها الجعدية، قوية للمغص». كانت تشرح ذلك دائمًا لكل فتاة صغيرة تأتي لتتعلّم منها، لكل شاب يمرّ ويسأل، لكلّ زائر غريب لا يعرف أنّ الميرمية عندنا ليست مجرّد عشبة، بل وصية الجدات للأرض.
لكن خالتو عزية لم تعد تذهب إلى الجبال كما كانت تفعل منذ ثلاثين عامًا. كان ذلك اليوم عندما خرجت كعادتها، مع سلّتها على ظهرها، تغنّي مع جاراتها أغنية قديمة:
يمّا زرعنا الميرمية على باب الدار،
فلسطين بتنادي على الثوار،
يمّا اعطيني الفدائي لو ببلاش،
دخل الأرض المحتلة وبإيدو رشاش.
لم تكمل الأغنية، حتى ظهر الجنود عند السفح. وقفوا أمامها كما لو كانوا حائطًا، وأمروها بالتوقّف. لم تفهم أولاً. لكنها فهمت لاحقًا. لم تكن الجبال لها بعد اليوم، لم تعد قادرة على أن تمدَّ يدها لتقطف ورقة واحدة من دون أن تحسب ألف حساب.
حين أعادوها إلى بيتها، جلسَت على الدرج، نظرت إلى الجبل البعيد. في يديها بعض الأغصان التي استطاعت أن تخبّئها تحت ثوبها. شمّتها ببطء، وتركت عينيها تغرق في المسافة. في المساء، أشعلت النار، غلّت الماء، وضعت الأوراق الأخيرة المتبقّية لديها، وسكبت كأسًا من الشاي الساخن. رفعت الكأس ببطء، تمتمت لنفسها قبل أن تأخذ الرشفة الأولى: «الميرمية إلنا… واللي بده يمنعها، بده يمنع الأرض من تنفسها».
نتيجةً للأنظمة الإسرائيلية، تحوّلت الخبيزة من رمزٍ للبقاء والوفرة إلى مخالفة قانونية. تصوير سينثيا غصوب.
وها هي الخبّيزة، تحمّست كي تسرد قصّتها مع «الحاجة سهام: عشبة الفقراء التي أزعجت القانون».
«بتصدّق يا ابني؟ الخبّيزة… الخبّيزة! صارت ممنوعة!»، قالت الحاجة سهام وهي تضحك، ضحكة طويلة، كأنّها تحاول أن تجد المنطق في هذا العبث. كانت تجلس على عتبة بيتها، تفرز الأوراق الخضراء الطرية، بينما الشمس تتسلّل عبر ثنايا الحوش.
الحاجة سهام تعرف الخبّيزة كما تعرف خطوط كفّها. في طفولتها، كانت أمّها تمسك بيدها في الشتاء، تخرج بها إلى أطراف القرية، وتنحني معها على الأرض، تجمعان الأوراق واحدة تلو الأخرى. كانت أمها تقول: «الخبيزة عشبة الفقراء، بس عمرها ما جاعت حد، تِكفي وتزيد، تنبت لحالها، وما بتحتاج شي غير شوية مطر وشمس».
حين كبرت الحاجة سهام، صارت الخبّيزة أكثر من مجرّد عشبة في المطبخ، صارت زادًا للشتاء، صارت ذكرى، صارت رابطًا بين الأجيال. حين كانت تُقطَف، كانت تُغسَل جيدًا، تُفرش على الطاولة، ويُجهَّز الطحين والبصل والزيت، ثم تتحوّل إلى أطباق دافئة تكفي عائلة بأكملها.
لكن الأمور لم تعد كما كانت. ذات يوم، خرجت كعادتها نحو السهل القريب. حملت كيسها القماشي، وتوجّهت مع بعض النسوة، كما يفعلن كل عام. ضحكاتهنّ سبقت خطاهن، لكن الضحك انقطع فجأة حين وقف أمامهن جندي، وجهه متجمد، صوته جاف: «ممنوع القطف هنا، هاي منطقة محمية».
«محمية عن مين؟»، سألت الحاجة سهام، ويداها على خصرها، غير مصدّقة: الخبيزة؟ ممنوع نلقط الخبيزة؟!
لم يكن هناك نقاش. عادت النساء إلى القرية، لكن الحاجة سهام لم تفلت بسهولة. استُدعيت أكثر من مرّة، سافرت من قريتها إلى محلّات بعيدة للمثول أمام القانون، وقضت ساعات طويلة في الانتظار، تُعامل كأنها متّهمة بجريمة خطيرة. في النهاية، بعد مماطلة طويلة، جاء الحكم: غرامة مالية.
في حالات كثيرة، لم تكن التهم موجَّهةً فقط إلى قطف نبات بري، بل إلى وجود امرأة فلسطينية في أرضها، تمارس طقسًا توارثته عن أمّها وجدّتها. أُدينت نساء، وفُرضت عليهنّ غرامات باهظة – لمجرّد حيازتهنّ كيلو واحدًا أو اثنين من الزعتر أو العكّوب. في كلّ قضيّة، يُعاد إنتاج مشهدٍ متكرّر: امرأة تحمل سلّةً صغيرة، لا سلاحًا، تواجه منظومةً قضائيةً كاملة تُصوّرها كمعتدية على «المحميات» و«البيئة»، وكأنّها خطرٌ يجب إقصاؤه. لافتةٌ صغيرة من «سلطة الطبيعة والحدائق» الإسرائيلية كافيةٌ لتبرير عسكرة المكان، وملاحقة من يُعيدون تنفّس الأرض إلى رئاتهم.
المحكمة لا ترى في هؤلاء النساء حاملات لذاكرة بيئية حية، بل مجرّد خرق للقانون. المستعمر، مرّة أخرى، يقدّم نفسه كحامٍ للطبيعة، بينما تُختزل المرأة الفلسطينية في صورة «جاهلة»، «مضرّة»، أو «متعدّية». ولكن خلف هذه التهم، تختبئ محاولة أعمق: نزع النساء من أراضيهنّ، ومن علاقتهم المتجذّرة بالنبات، بالجسد، وبالزمن. لا يُستهدف الزعتر، بل المرأة التي تعرف متى يُقطف، وكيف يُجفّف، وأي نبتة تليق بشاي المساء.
وهكذا، يصبح القانون وسيلةً لإقصاء النساء من الذاكرة، من الحقل، ومن العلاقة المقدّسة التي تربطهنّ بالنباتات التي رعينها كما رعين أبناءهنّ. النساء اللواتي سنروي قصصهنّ لاحقًا، لم يكنّ «يقطفن فقط»، بل كنّ يمارسن فعلًا من أفعال الوجود المقاوم، ومَن يُلاحَق في الحقيقة، ليست الكمية ولا النبتة، بل الأيدي التي ما زالت تزرع وتقطف وتُعلّم.
لم تنظر المحاكم يوماً إلى النساء الفلسطينيات بوصفهن حاملات لذاكرة بيئية حيّة، بل اختزلتهن إلى مجرّد مخالفات قانونيات. تصوير رامي الصبان.
تساءلت النباتات البرّية، وكأنها تنطق من عمق التربة التي وُلدت فيها، «هل تظنُنَّ أن استهدافنا كان عبثيًا؟ هل تعتقدن أن منع قطفنا لا علاقة له بأجساد النساء الفلسطينيات؟». في ظلّ احتلالٍ يسعى لمحاصرة الجسد كما الأرض، لم يعد الأمر يتعلّق فقط بحظر نبات بري أو تجريم قطفه، بل بات يتعدّاه إلى فصلٍ خفيّ من فصول الحرب على المرأة، على خصوبتها، على معرفتها المتوارثة، وعلى أدواتها في البقاء والاستمرار.
الميرمية، التي لطالما غلّت الجدّات أوراقها في أباريق النحاس لتقوية الرحم، وتنظيم الهرمونات، وتهيئة الجسد للحمل والولادة، لم تكن مجرّد عشبة، بل كانت امتداداً لسيادة المرأة على جسدها، ولقدرتها على تكرار الحياة رغم القهر. تحتوي الميرمية على مركّبات توازن الهرمونات الجنسية، وتدعم خصوبة النساء، وتساعد أجسادهنَّ على التكيّف مع الظروف البيئية القاسية، وكأنها تصر على أن تمنح المرأة الفلسطينية فرصةً جديدةً للتجذّر.
الزعتر، الحارس اليومي للمعدة والقولون، والمُهدّئ الطبيعي لتشنّجات الدورة الشهرية، ليس فقط علاجًا شعبياً، بل جزءًا من طبّ النساء التقليدي، تمرّره الجدّات إلى الأمّهات، وتحمله الفتيات في أكياس القماش في رحلات القطف الصباحية. منقوع الزعتر يُنظّم الدورة، ويخفّف آلام الطمث، ويساعد في حالات عسر الهضم الناتجة عن التوتّر، وهو بذلك رفيق جسديّ وسياسيّ للنساء اللواتي يتحمّلن أعباء البيت والميدان معًا. هل من قبيل المصادفة أن يُحظر الوصول إليه في «مناطق طبيعية محمية» تحت سلطة عسكرية؟
ساد صمتٌ على الجبل.
ليس صمت النهاية، بل صمت الامتلاء. صمتٌ يشبه ارتعاش الندى على ورقة خبيزة، يشبه تنهيدة تيتا وهي تسحب الغطاء عن صحن الزعتر، تشبه لحظة ما قبل البكاء، حين يكون في الحنجرة أكثر مما تُطيق اللغة.
بادلت النباتات النظرات، لا لتؤكّد ما قِيل، ولا لتودّع، بل كأنّها تتطلّع إلى بعضها بشيء من الشموخ، بامتنان صامت،لا حاجة لوداعٍ ثقيل، فهنّ يتلاقين مرّةً بعد مرّة، على شُباك مطبخ، على حجرٍ تحت شجرة تين، أو بين أذرع الحبابات الجبّارات.
كان اللقاء الليلة امتدادًا لا استثناء، تذكيرًا لا بكاء، احتفالًا بما ظلّ حيًّا، رغم كلّ ما أرادوا له أن يذبل.
عندها، عاد البدرُ الراوي، بصوته الذي لا يحتاج إلى ارتفاع، لأنه آتٍ من جوف الأرض:
“ما سمعتُه الليلة لم يكن سردًا، بل استعادة.
وما اجتمع في هذه القعدة لم يكن عُشبًا يتكلم، بل سجلًّا حيًّا لأرضٍ تعرف أسماءها، وتعرف من مشى عليها ومن مُنع.
كانت النساء هنّ الرواة الحقيقيات، لا لأنهنّ حكَين، بل لأنهنّ حافظْن.
في كل شقفة خبّيزة نبتت على طرف طريق مهجور، في كل حبّة ميرمية جفّفتها يدٌ قديمة، في كل كيس زعتر هُرّب من حاجز، هناك رواية لا تُدوَّن في محاضر الأمم ولا تُذاع في نشرات الطقس.
هناك معركة تجري دون سلاح:
معركة البقاء في الوصفة، في الحكاية، في الرائحة، في يدٍ تعرف ما تفعل حين تمسك السكين، لا لتؤذي، بل لتخلّص ورقة نعناع من جذعها بلطفٍ يشبه الصلاة.
القوانين التي حاصرت هذه النباتات، لم تكن لحماية الطبيعة، بل لتجفيف المعرفة.
لم تكن لحفظ الأعشاب، بل لنسيان الجدّات.
كانوا يريدون أرضًا بلا ذاكرة، بلا نساء يعرفن متى تُقطف الخبيزة، ومتى يُغلى النعنع، ومتى يُخزّن الزعتر لشتاء لا يأتي إلا بالحرب.
لكن الليلة، سُمِعت الأصوات., وما دام في الأرض نبات، وفي الذاكرة امرأة، وفي الجبل قعدة… فلن تُطفأ الحكاية، ولن تُقطع الجذور، ولو صارت الحقول كلّها محميّات ممنوعة، والأسوار أعلى من ظلال الشمس.”
ثمّ خفَت البدر.
وسُمِع خيطُ هواءٍ دافئ يمرّ بين الأغصان”هُنّ كنّ هنا.”
كانت الميرمية، والزعتر، والخبّيزة ثلاثيّةً مسجونةً في القانون، حرّةً في الذاكرة،
نكهاتٌ تحت الحظر، لكنّها تعرف الطريق إلى التراب، وإلى من يحملنها في سلال الصباح.
- alrawiyadigitalmagazine
- alrawiyadigitalmagazine

غيد خطيب
غيد مهندسة معمارية ومُحركة رسوم ومصمّمة ألعاب فيديو وفنانة بصرية من الناصرة. وهي إحدى المؤسِّسات لمنصة "بلست"، التي تركز على التراث المعماري النقدي والتحرّري، والتخطيط العمراني، والبنى التحتية. وهي باحثة في مجال الما ورائيات في الأساطير والفلكلور الفلسطيني العربي وامتداده الاجتماعي وعلاقته بالحيز. أسّست غيد "غَيْم"، وهو مساحة تجمع مبادرات فنية ومعمارية تشمل الوشوم والملصقات والسيراميك والحوار والكتابة ومجالات فنية متعددة تهدف إلى الحفاظ على التراث الفني الفلسطيني. كما أسّست "مَيْد"، وهي مبادرة تُعنى بالحفاظ على المواد، والتجريب في وسائط فنية مختلفة وفي العناصر الطبيعية والمعمارية، وتنسّق جولات ميدانية تتبّع الآثار الفلسطينية والمعالم العربية في القرى المُهجّرة وعلى امتداد الخريطة التاريخية لفلسطين.

































