متصلون رغم كل الظروف: نظرة على واقع الاتصالات في غزة"

مقدمة: في خضم المشهد الذي شوهته الأعمال العدائية المتواصلة، يبزغ ضوء الصمود من قلب الركام في فلسطين. تتجلى روح الشعب التي لا تتزعزع في غزة بسعيهم للتواصل مع العالم رغم كل الصعاب. هذه ليست مجرد قصة عن تكنولوجيا الاتصالات المبتكرة، ولكنها شهادة على مثابرة الإنسان.

مقدمة: في خضم المشهد الذي شوهته الأعمال العدائية المتواصلة، يبزغ ضوء الصمود من قلب الركام في فلسطين. تتجلى روح الشعب التي لا تتزعزع في غزة بسعيهم للتواصل مع العالم رغم كل الصعاب. هذه ليست مجرد قصة عن تكنولوجيا الاتصالات المبتكرة، ولكنها شهادة على مثابرة الإنسان.

في ضوء التحديات اليومية المروعة التي تعيشها غزة، تلعب الاتصالات دورًا حاسمًا في الحفاظ على التواصل الاجتماعي والاقتصادي وفي الحالات الطارئة. وهي بمثابة حلقة وصل حيوية مع العالم الخارجي وسط المأساة المتواصلة. يعيش في قطاع غزة أكثر من 2.2 مليون شخص تحت الحصار الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي في عام 2007. وقد أثر الحصار، بما في ذلك القيود البرية والجوية والبحرية، بشكل كبير على اقتصاد غزة وبنيتها التحتية وظروف معيشة سكانها، كما تأثرت غزة بشدة بالإعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتكررة وسلسلة الحروب التي شلّت شبكات الاتصالات فيها. كانت حرب الإبادة الجماعية الأخيرة، التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مدمرة، حيث أودت بحياة الآلاف على مدى أكثر من 100 يوم، وقصفت أحياء بأكملها، ومحت عائلات بأكملها من السجلات المدنية، وحطمت الأحلام، ودمرت جميع أشكال البنية التحتية.

 

أدت الإبادة الجماعية، كما وصفتها جنوب أفريقيا مؤخرًا أمام محكمة العدل الدولية، إلى تفاقم الوضع الإنساني المتردي، مما أثر على حياة سكانها بشكل كبير. تم الإبلاغ عن ما لا يقل عن تسع حالات انقطاع تام للاتصالات في غزة من قبل قناة الجزيرة وصحيفة نيويورك تايمز وحتى الصحفيين المحليين عبر منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم. في حين أن بعضها كان بسبب نقص الوقود والكهرباء، كان السبب الرئيسي هو القصف الاستراتيجي وتدمير الشبكة الرئيسية والبنية التحتية للاتصالات من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
 
“مرحبًا من غزة. تمت استعادة الإنترنت بعد أكثر من 10 أيام من انقطاعه. يشعر الأمر بالغرابة بصراحة أن يكون هناك إنترنت الآن.”  منشور حول وضع الإنترنت في غزة من قبل Hind Khoudary على X.
لا تعمل هذه الاستراتيجية كوسيلة لفرض الحصار فحسب، بل تعمل أيضًا كتكتيك في الحرب النفسية، بهدف عزل سكان غزة عن العالم الخارجي. مثل هذه الإجراءات لها أيضًا آثار أوسع على خدمات الطوارئ والرعاية الصحية والسلامة العامة للناس. يعتبر مشهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في غزة شريان حياة في أوقات المأساة وقد واجه تحديات غير مسبوقة على مر السنين. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الصعاب، استمر سكان غزة في تحدي جهود الاحتلال لفصلهم عن العالم الخارجي.

مشهد الاتصالات في غزة 

 

مزودو الاتصالات الرئيسيون في غزة هم جوال، مشغل الهاتف المحمول لمجموعة Paltel و Oredoo. يتم توفير اتصالات الشبكة بأبراج الاتصالات عن طريق كابل الألياف الضوئية. يسيطر الكيان المحتل على كامل البنية التحتية الرقمية في غزة وفي عموم فلسطين، بما في ذلك استخدام الأجهزة المحمولة والوصول إلى الإنترنت، وبالتالي، يمكن أن تسبب خلل في خدمة الاتصالات السلكية واللاسلكية والإنترنت في أي وقت. أدت ممارسات الاحتلال الإسرائيلي والسيطرة القسرية على البنية التحتية للمعلومات والاتصالات الفلسطينية إلى تقييد تطورها بشكل ملحوظ وتعزيز المراقبة الجماعية وانتهاك الحقوق الرقمية الفلسطينية. قدرة الكيان الإسرائيلي على التمادي في مثل هذه الممارسات متجذرة في الاتفاقات السياسية، ولا سيما اتفاقية أوسلو ذات الآثار العميقة على مشهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في الأراضي الفلسطينية. يقول مدير شبكة جوال في غزة ومهندس الاتصالات أسامة طه للراوية إنه على الرغم من إمكانية التقاط إشارات الشبكة من إسرائيل ومصر بسهولة في غزة، إلا أن “إسرائيل لا تسمح لمقدمي خدمات الشبكة الفلسطينيين باستخدام خدمات التجوال لالتقاط مثل هذه الإشارات”.

صورة لـ Fré Sonneveld على Unsplash.

على مدى عقود، قيدت قوات الاحتلال الإسرائيلية وصول الفلسطينيين/ات إلى التكنولوجيا وترددات الشبكات. وقد أدى ذلك إلى تباطؤ سرعات الإنترنت ومحدودية الوصول إلى خدمات شبكات الهاتف المحمول المتقدمة مثل 3G أو 4G في المناطق الفلسطينية. ويقتصر الحد الأقصى لخدمة شبكة الهاتف المحمول المتاحة في الضفة الغربية حاليًا على 3G، بينما في غزة، أعلى مستوى من الخدمة يمكن الوصول إليه هو 2G.

 

من جهته أكد أسامة طه خلال حديثنا معه أن الجيش الإسرائيلي دمر، استراتيجياً، أبراج الاتصالات المركزية أو الرئيسية في غزة والتي تعمل كمراكز رئيسية لنقل واستقبال الإشارات إلى الأبراج المحلية. على إثر ذلك، يواجه مقدمو الشبكات هؤلاء تحديات هائلة في الحفاظ على خدماتهم وتحسينها وسط ظروف الحرب والقيود المستمرة. يضيف طه: “لإصلاح الضرر واستعادة الاتصال، يتعين على مزودي الشبكة التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية”،

“عندما نقول إنهم قطعوا الاتصالات، لا نعني أنهم قلبوا مفتاحاً. نحن نعني أنهم دمروا تماماً الكوابل وأبراج الخلوية!!” منشورمن قبل  Mohammed El Kurd على X.
مع ذلك، لا ضمانة لعدم تعرضهم للهجوم. منذ بداية الحرب، يؤكد طه، أن 19 من الكوادر الفنية قضوا أثناء الخدمة جراء القصف الإسرائيلي. وفي مقال حديث، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن ما لا يقل عن 15 موظفًا في مجال الاتصالات قد قتلوا منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر. على الرغم من هذه المحن، أظهر قطاع الاتصالات في غزة مرونة ملحوظة، حيث تكيف مع المشهد المتغير باستمرار طارحاً حلولاً مبتكرة وتصميم على إبقاء المنطقة متصلة بالعالم الخارجي. يبين الوضع التقاطع المعقد بين التكنولوجيا والصراع وحقوق الإنسان في منطقة تعاني من صراعات مزمنة وتوترات جيوسياسية.

حلول الاتصالات السلكية واللاسلكية المبتكرة في غزة

 

الحرب المدمرة، اعتمد سكان غزة أساليب اتصال مبتكرة، مما بث بعض الأمل في يومياتهم. وتتجاوز أساليب الاتصال هذه وسائل البقاء على اتصال: فهي ترمز إلى رفضهم الخضوع لظروف الاحتلال القاسية. يقول رامي غندور، أحد سكان سيدني، أستراليا، وفوزي فياض، مهندس الاتصالات المقيم في إسبانيا: “إنها أكثر من مجرد شريان حياة، هذه الأساليب هي منارات الأمل لأحبائهم، وطمأنتهم على بقائهم على قيد الحياة”.

 

إعادة شحن الرصيد من الضفة الغربية – قوة التضامن

 

دوره يقول يوسف الريماوي، مؤسس ومدير الجمعية الأسترالية لحالة الطوارئ للاجئين الفلسطينيين العراقيين (ASPIRE)، وهي منظمة أسترالية غير ربحية، إن ببقاء شبكة الاتصالات نشطة في غزة على الرغم من التحديات، هو مثالاً رائعاً للتضامن.
 
تقدم ASPIRE الدعم اللغوي والقانوني والمالي للأسر الفلسطينية المتضررة من الحرب. ويشارك الريماوي قصصًا عن سكان الضفة الغربية الذين يحولون أرصدة الهاتف المحمول عبر الرسائل النصية القصيرة إلى أسرهم وأصدقائهم في غزة.
 
بدأت هذه المبادرة من قبل فلسطينية أسترالية تدعى دارين، أصلها من الضفة الغربية، لم تتمكن من الوصول إلى بعض أفراد الأسرة الذين يعيشون في غزة. طلبت دارين من عائلتها في الضفة الغربية مشاركة الرصيد مع عائلتهم في غزة، ونمت المبادرة من هناك بمساعدة ASPIRE، حيث ربطت ما لا يقل عن 500 شخص، كما أفاد الريماوي. يقول الريماوي للراوية: “يتبرع الناس في الضفة الغربية من جيوبهم لهذه الأرصدة المتنقلة ويطلبون استخدام التبرعات لمزيد من الحالات المحتاجة”. هذه اللفتة ليست عملية فحسب، بل رمزية للغاية، مما يدل على الرابطة غير القابلة للكسر بين الفلسطينيين على الرغم من الانقسامات الجغرافية والسياسية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي والحصار على غزة. رغم أنه يبدو عملاً بسيطاً ولكنه عميق الأثر كدليل على الوحدة والمقاومة. 
 
 
تقنية eSIM – بصيص أمل

يمثل اعتماد تقنية الشريحة الإلكترونية طفرة كبيرة في ربط سكان غزة. الشريحة الإلكترونية هي النسخة الرقمية لبطاقات الشريحة التقليدية المستخدمة في الأجهزة المحمولة. من جهتها، أيدت الكاتبة المصرية ميرنا الهلباوي وخبير تكنولوجيا المعلومات عمر المصري هذه المبادرة، التي ساعدت أكثر من 10000 شخص في غزة على البقاء على اتصال. وقد وفرت جهودهم، بدعم من المانحين العالميين، شريان حياة رقمي، مما سمح لسكان غزة بالاتصال بالشبكات الإقليمية في مصر وإسرائيل في ظل غياب شبكات الاتصالات والبنية التحتية المحلية المدمرة. كان هذا أمرًا بالغ الأهمية في الوصول إلى الخدمات الطبية والطوارئ وكذلك مع أفراد الأسرة داخل غزة وخارجها.
حملة eSim التي قامت بها Simly لتوفير eSims مجانية للأشخاص في غزة في أكتوبر 2023. منشور بواسطة Fatima Said على X.

قدّم إدخال شرائح eSIM حلاً جديدًا للاتصال في غزة. ومع ذلك، فإن هذا الحل لا يخلو من التحديات، لا سيما فيما يتعلق بمخاوف الأمن والموثوقية بسبب الاعتماد على الشبكات الخارجية. يسلط أسامة طه من جوال الضوء على أن “الشرائح الإلكترونية فعالة في الغالب في المناطق ذات التغطية الكافية من الشبكات الإسرائيلية أو المصرية”، مثل رفح في جنوبي غزة والمناطق المجاورة لإسرائيل. بالمقابل، تعاني مناطق مثل شمالي غزة، التي شهدت دمارًا كبيرًا في الحرب، ووسط غزة، من أزمة موثوقية حتى  فيما يتعلق بالرسائل النصية عبر بطاقات eSIM.

 

على الرغم من أن هذه الشرائح توفر العديد من الفوائد، إلا أنها تمثل أيضًا جملة من المخاطر الأمنية، بما في ذلك إمكانية اختراق هوية المستخدم، والاتصال بالشبكات غير المصرح بها، والتعرض لهجمات الانتحال. كما أنها تؤكد على الفجوة الرقمية: لا يمكن للجميع الوصول إلى هذه التكنولوجيا حيث لا تتوافق جميع الأجهزة المحمولة معها. علاوة على ذلك، فإن عملية تنشيط بطاقات eSIM معقدة، وعندما تتفاقم بسبب الظروف العصيبة التي غالباً ما يتم تفعيلها في ظلها، يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع معدل الإبطال، مما يجعل العديد من بطاقات eSIM غير صالحة للاستخدام.

لاتصالات عبر الأقمار الصناعية: خطر لا مفر منه

 

في غزة، لا سيما بين وسائل الإعلام الدولية، وبالنسبة لبعض الأفراد، هناك حيز بسيط لاستخدام الاتصالات الساتلية من خلال Inmarsat – وهي شبكة توفر تغطية شبكة الأقمار الصناعية المتنقلة في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن عدد الأجهزة التي توافق عليها الحكومة الإسرائيلية لهذا الغرض محدود. يشكل استخدام هذه الأجهزة مخاطر كبيرة، حيث من المعروف أن الجيش الإسرائيلي يستهدف الأفراد المتصلين بالأقمار الصناعية. على سبيل المثال، تم استهداف الصحفيين حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا بشكل مأساوي أثناء وجودهما في سيارتهما، على الرغم من أن وسائل الإعلام تنسق بشكل روتيني مع الحكومة الإسرائيلية لإعلان مواقع البث الخاصة بها ولديها علامات واضحة على أنها صحفية. ويؤكد هذا الوضع، الظروف الخطرة التي يواجهها أولئك الذين يسعون في غزة إلى التواصل مع العالم الأوسع. على الرغم من جهودهم لاستخدام التكنولوجيا والاتصالات كحبل نجاة، إلا أنهم يواجهون مخاطر شديدة، مع عدم وجود ملاذ مضمون. 

أخبار حول استهداف وقتل الصحفيين حمزة دحدوح ومصطفى الثريا في 7 كانون الثاني 2024.

منشور بواسطة أحمد المدهون على X.

تصور مستقبل مستدام للاتصالات

 

وسط الرعب اليومي الذي يتكشف في غزة، تبرز تقنية eSIM كشريان حياة حيوي، مما يوفر لسكان غزة نافذة ثمينة على العالم الخارجي، دون عائق، نسبيًا، من قبل قوات الاحتلال. ويكمن الأمل في تعزيز هذا الاتصال، بتسخير إشارات أقوى من مزودي الشبكات المصريين، مما قد يوفر شبكة اتصال  تغطي مناطق أوسع في غزة. 

 

علاوة على ذلك، فإن نشر محطات شبكات الهاتف المحمول التي اقترحتها Vodafone مصر والتمكين المحتمل لقدرات الأقمار الصناعية Starlink يقدم حلاً رائدًا. يمكن لهذه المحطات تحسين تغطية بطاقة eSIM وتعويض أبراج الشبكة التالفة. لكن على الرغم من أن هذه الاستراتيجية قد تم اقتراحها والاتفاق عليها في البداية، إلا أنها تنتظر أن تدخل حيز التنفيذ تحت رحمة موافقة الكيان الصهيوني. إن تنفيذ هذه التدابير المبتكرة ينطوي على إمكانية تعزيز التواصل وقيادة جهود المساعدات الإنسانية، مما يساهم في نهاية المطاف في مستقبل لا تبقى فيه غزة على قيد الحياة فحسب، بل تبدأ في التعافي. 

 

أمل الشعب الفلسطيني منارة وسط الظلام

 

في ظل حصار دام 17 عامًا وأهوال الحروب التي شوهت هذه الأرض، بما في ذلك الحرب الحالية التي أودت بحياة أكثر من 30 ألف شخص، وشردت أكثر من نصف سكان غزة، وتسببت في دمار واسع النطاق، يضيء أمل الشعب الفلسطيني كمنارة في الظلام. 

 

وعلى الرغم من المعاناة التي تدمي القلوب والدمار شبه الكامل للمستشفيات وشبكات الاتصالات، فإن سكان غزة، بل وجميع الفلسطينيين/ات، يظهرون صلابة ملحوظة عصية على الفهم. إنهم يقفون كدليل حي على الروح الإنسانية الدائمة، ويعلمون العالم دروسًا عميقة في الإنسانية، وتصميمًا لا يتزعزع، وشجاعة، وحبًا لا يلين لوطنهم. 

 

في مواجهة الشدائد التي لا يمكن تصورها، يجسدون قوة الوحدة، ويخاطرون بحياتهم لمد يد العون لبعضهم البعض، والحفاظ على اتصال هش بالعالم الخارجي، ونقل رسالة مدوية إلى البشرية: “نحن على قيد الحياة. لن ننكسر.” إن واقع سكان غزة اليوم هو تذكير مثالي بالمخزون غير المنتهي من القوة والوحدة الكامنة في داخلنا. في غزة، كل لفتة خير، كل نبضة قلب، كل اتصال وإعادة بناء في مواجهة الاحتلال والدمار هو انتصار. انتصار لنا جميعًا نحن الذين نؤمن بانتمائهم المحق لأرضهم. 

في ضوء التحديات اليومية المروعة التي تعيشها غزة، تلعب الاتصالات دورًا حاسمًا في الحفاظ على التواصل الاجتماعي والاقتصادي وفي الحالات الطارئة. وهي بمثابة حلقة وصل حيوية مع العالم الخارجي وسط المأساة المتواصلة. يعيش في قطاع غزة أكثر من 2.2 مليون شخص تحت الحصار الذي فرضه الاحتلال الإسرائيلي في عام 2007. وقد أثر الحصار، بما في ذلك القيود البرية والجوية والبحرية، بشكل كبير على اقتصاد غزة وبنيتها التحتية وظروف معيشة سكانها، كما تأثرت غزة بشدة بالإعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتكررة وسلسلة الحروب التي شلّت شبكات الاتصالات فيها. كانت حرب الإبادة الجماعية الأخيرة، التي بدأت في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مدمرة، حيث أودت بحياة الآلاف على مدى أكثر من 100 يوم، وقصفت أحياء بأكملها، ومحت عائلات بأكملها من السجلات المدنية، وحطمت الأحلام، ودمرت جميع أشكال البنية التحتية.

 

أدت الإبادة الجماعية، كما وصفتها جنوب أفريقيا مؤخرًا أمام محكمة العدل الدولية، إلى تفاقم الوضع الإنساني المتردي، مما أثر على حياة سكانها بشكل كبير. تم الإبلاغ عن ما لا يقل عن تسع حالات انقطاع تام للاتصالات في غزة من قبل قناة الجزيرة وصحيفة نيويورك تايمز وحتى الصحفيين المحليين عبر منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بهم. في حين أن بعضها كان بسبب نقص الوقود والكهرباء، كان السبب الرئيسي هو القصف الاستراتيجي وتدمير الشبكة الرئيسية والبنية التحتية للاتصالات من قبل جيش الاحتلال الإسرائيلي.
 
“مرحبًا من غزة. تمت استعادة الإنترنت بعد أكثر من 10 أيام من انقطاعه. يشعر الأمر بالغرابة بصراحة أن يكون هناك إنترنت الآن.”  منشور حول وضع الإنترنت في غزة من قبل Hind Khoudary على X.
لا تعمل هذه الاستراتيجية كوسيلة لفرض الحصار فحسب، بل تعمل أيضًا كتكتيك في الحرب النفسية، بهدف عزل سكان غزة عن العالم الخارجي. مثل هذه الإجراءات لها أيضًا آثار أوسع على خدمات الطوارئ والرعاية الصحية والسلامة العامة للناس. يعتبر مشهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في غزة شريان حياة في أوقات المأساة وقد واجه تحديات غير مسبوقة على مر السنين. ومع ذلك، وعلى الرغم من كل الصعاب، استمر سكان غزة في تحدي جهود الاحتلال لفصلهم عن العالم الخارجي.

مشهد الاتصالات في غزة 

 

مزودو الاتصالات الرئيسيون في غزة هم جوال، مشغل الهاتف المحمول لمجموعة Paltel و Oredoo. يتم توفير اتصالات الشبكة بأبراج الاتصالات عن طريق كابل الألياف الضوئية. يسيطر الكيان المحتل على كامل البنية التحتية الرقمية في غزة وفي عموم فلسطين، بما في ذلك استخدام الأجهزة المحمولة والوصول إلى الإنترنت، وبالتالي، يمكن أن تسبب خلل في خدمة الاتصالات السلكية واللاسلكية والإنترنت في أي وقت. أدت ممارسات الاحتلال الإسرائيلي والسيطرة القسرية على البنية التحتية للمعلومات والاتصالات الفلسطينية إلى تقييد تطورها بشكل ملحوظ وتعزيز المراقبة الجماعية وانتهاك الحقوق الرقمية الفلسطينية. قدرة الكيان الإسرائيلي على التمادي في مثل هذه الممارسات متجذرة في الاتفاقات السياسية، ولا سيما اتفاقية أوسلو ذات الآثار العميقة على مشهد الاتصالات السلكية واللاسلكية في الأراضي الفلسطينية. يقول مدير شبكة جوال في غزة ومهندس الاتصالات أسامة طه للراوية إنه على الرغم من إمكانية التقاط إشارات الشبكة من إسرائيل ومصر بسهولة في غزة، إلا أن “إسرائيل لا تسمح لمقدمي خدمات الشبكة الفلسطينيين باستخدام خدمات التجوال لالتقاط مثل هذه الإشارات”.

صورة لـ Fré Sonneveld على Unsplash.

على مدى عقود، قيدت قوات الاحتلال الإسرائيلية وصول الفلسطينيين/ات إلى التكنولوجيا وترددات الشبكات. وقد أدى ذلك إلى تباطؤ سرعات الإنترنت ومحدودية الوصول إلى خدمات شبكات الهاتف المحمول المتقدمة مثل 3G أو 4G في المناطق الفلسطينية. ويقتصر الحد الأقصى لخدمة شبكة الهاتف المحمول المتاحة في الضفة الغربية حاليًا على 3G، بينما في غزة، أعلى مستوى من الخدمة يمكن الوصول إليه هو 2G.

 

من جهته أكد أسامة طه خلال حديثنا معه أن الجيش الإسرائيلي دمر، استراتيجياً، أبراج الاتصالات المركزية أو الرئيسية في غزة والتي تعمل كمراكز رئيسية لنقل واستقبال الإشارات إلى الأبراج المحلية. على إثر ذلك، يواجه مقدمو الشبكات هؤلاء تحديات هائلة في الحفاظ على خدماتهم وتحسينها وسط ظروف الحرب والقيود المستمرة. يضيف طه: “لإصلاح الضرر واستعادة الاتصال، يتعين على مزودي الشبكة التنسيق مع الحكومة الإسرائيلية”،

“عندما نقول إنهم قطعوا الاتصالات، لا نعني أنهم قلبوا مفتاحاً. نحن نعني أنهم دمروا تماماً الكوابل وأبراج الخلوية!!” منشورمن قبل  Mohammed El Kurd على X.
مع ذلك، لا ضمانة لعدم تعرضهم للهجوم. منذ بداية الحرب، يؤكد طه، أن 19 من الكوادر الفنية قضوا أثناء الخدمة جراء القصف الإسرائيلي. وفي مقال حديث، ذكرت صحيفة واشنطن بوست أن ما لا يقل عن 15 موظفًا في مجال الاتصالات قد قتلوا منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر. على الرغم من هذه المحن، أظهر قطاع الاتصالات في غزة مرونة ملحوظة، حيث تكيف مع المشهد المتغير باستمرار طارحاً حلولاً مبتكرة وتصميم على إبقاء المنطقة متصلة بالعالم الخارجي. يبين الوضع التقاطع المعقد بين التكنولوجيا والصراع وحقوق الإنسان في منطقة تعاني من صراعات مزمنة وتوترات جيوسياسية.

حلول الاتصالات السلكية واللاسلكية المبتكرة في غزة

 

الحرب المدمرة، اعتمد سكان غزة أساليب اتصال مبتكرة، مما بث بعض الأمل في يومياتهم. وتتجاوز أساليب الاتصال هذه وسائل البقاء على اتصال: فهي ترمز إلى رفضهم الخضوع لظروف الاحتلال القاسية. يقول رامي غندور، أحد سكان سيدني، أستراليا، وفوزي فياض، مهندس الاتصالات المقيم في إسبانيا: “إنها أكثر من مجرد شريان حياة، هذه الأساليب هي منارات الأمل لأحبائهم، وطمأنتهم على بقائهم على قيد الحياة”.

 

إعادة شحن الرصيد من الضفة الغربية – قوة التضامن

 

دوره يقول يوسف الريماوي، مؤسس ومدير الجمعية الأسترالية لحالة الطوارئ للاجئين الفلسطينيين العراقيين (ASPIRE)، وهي منظمة أسترالية غير ربحية، إن ببقاء شبكة الاتصالات نشطة في غزة على الرغم من التحديات، هو مثالاً رائعاً للتضامن.
 
تقدم ASPIRE الدعم اللغوي والقانوني والمالي للأسر الفلسطينية المتضررة من الحرب. ويشارك الريماوي قصصًا عن سكان الضفة الغربية الذين يحولون أرصدة الهاتف المحمول عبر الرسائل النصية القصيرة إلى أسرهم وأصدقائهم في غزة.
 
بدأت هذه المبادرة من قبل فلسطينية أسترالية تدعى دارين، أصلها من الضفة الغربية، لم تتمكن من الوصول إلى بعض أفراد الأسرة الذين يعيشون في غزة. طلبت دارين من عائلتها في الضفة الغربية مشاركة الرصيد مع عائلتهم في غزة، ونمت المبادرة من هناك بمساعدة ASPIRE، حيث ربطت ما لا يقل عن 500 شخص، كما أفاد الريماوي. يقول الريماوي للراوية: “يتبرع الناس في الضفة الغربية من جيوبهم لهذه الأرصدة المتنقلة ويطلبون استخدام التبرعات لمزيد من الحالات المحتاجة”. هذه اللفتة ليست عملية فحسب، بل رمزية للغاية، مما يدل على الرابطة غير القابلة للكسر بين الفلسطينيين على الرغم من الانقسامات الجغرافية والسياسية التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي والحصار على غزة. رغم أنه يبدو عملاً بسيطاً ولكنه عميق الأثر كدليل على الوحدة والمقاومة. 
 
 
تقنية eSIM – بصيص أمل

يمثل اعتماد تقنية الشريحة الإلكترونية طفرة كبيرة في ربط سكان غزة. الشريحة الإلكترونية هي النسخة الرقمية لبطاقات الشريحة التقليدية المستخدمة في الأجهزة المحمولة. من جهتها، أيدت الكاتبة المصرية ميرنا الهلباوي وخبير تكنولوجيا المعلومات عمر المصري هذه المبادرة، التي ساعدت أكثر من 10000 شخص في غزة على البقاء على اتصال. وقد وفرت جهودهم، بدعم من المانحين العالميين، شريان حياة رقمي، مما سمح لسكان غزة بالاتصال بالشبكات الإقليمية في مصر وإسرائيل في ظل غياب شبكات الاتصالات والبنية التحتية المحلية المدمرة. كان هذا أمرًا بالغ الأهمية في الوصول إلى الخدمات الطبية والطوارئ وكذلك مع أفراد الأسرة داخل غزة وخارجها.
حملة eSim التي قامت بها Simly لتوفير eSims مجانية للأشخاص في غزة في أكتوبر 2023. منشور بواسطة Fatima Said على X.

قدّم إدخال شرائح eSIM حلاً جديدًا للاتصال في غزة. ومع ذلك، فإن هذا الحل لا يخلو من التحديات، لا سيما فيما يتعلق بمخاوف الأمن والموثوقية بسبب الاعتماد على الشبكات الخارجية. يسلط أسامة طه من جوال الضوء على أن “الشرائح الإلكترونية فعالة في الغالب في المناطق ذات التغطية الكافية من الشبكات الإسرائيلية أو المصرية”، مثل رفح في جنوبي غزة والمناطق المجاورة لإسرائيل. بالمقابل، تعاني مناطق مثل شمالي غزة، التي شهدت دمارًا كبيرًا في الحرب، ووسط غزة، من أزمة موثوقية حتى  فيما يتعلق بالرسائل النصية عبر بطاقات eSIM.

 

على الرغم من أن هذه الشرائح توفر العديد من الفوائد، إلا أنها تمثل أيضًا جملة من المخاطر الأمنية، بما في ذلك إمكانية اختراق هوية المستخدم، والاتصال بالشبكات غير المصرح بها، والتعرض لهجمات الانتحال. كما أنها تؤكد على الفجوة الرقمية: لا يمكن للجميع الوصول إلى هذه التكنولوجيا حيث لا تتوافق جميع الأجهزة المحمولة معها. علاوة على ذلك، فإن عملية تنشيط بطاقات eSIM معقدة، وعندما تتفاقم بسبب الظروف العصيبة التي غالباً ما يتم تفعيلها في ظلها، يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع معدل الإبطال، مما يجعل العديد من بطاقات eSIM غير صالحة للاستخدام.

لاتصالات عبر الأقمار الصناعية: خطر لا مفر منه

 

في غزة، لا سيما بين وسائل الإعلام الدولية، وبالنسبة لبعض الأفراد، هناك حيز بسيط لاستخدام الاتصالات الساتلية من خلال Inmarsat – وهي شبكة توفر تغطية شبكة الأقمار الصناعية المتنقلة في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن عدد الأجهزة التي توافق عليها الحكومة الإسرائيلية لهذا الغرض محدود. يشكل استخدام هذه الأجهزة مخاطر كبيرة، حيث من المعروف أن الجيش الإسرائيلي يستهدف الأفراد المتصلين بالأقمار الصناعية. على سبيل المثال، تم استهداف الصحفيين حمزة الدحدوح ومصطفى ثريا بشكل مأساوي أثناء وجودهما في سيارتهما، على الرغم من أن وسائل الإعلام تنسق بشكل روتيني مع الحكومة الإسرائيلية لإعلان مواقع البث الخاصة بها ولديها علامات واضحة على أنها صحفية. ويؤكد هذا الوضع، الظروف الخطرة التي يواجهها أولئك الذين يسعون في غزة إلى التواصل مع العالم الأوسع. على الرغم من جهودهم لاستخدام التكنولوجيا والاتصالات كحبل نجاة، إلا أنهم يواجهون مخاطر شديدة، مع عدم وجود ملاذ مضمون. 

أخبار حول استهداف وقتل الصحفيين حمزة دحدوح ومصطفى الثريا في 7 كانون الثاني 2024.

منشور بواسطة أحمد المدهون على X.

تصور مستقبل مستدام للاتصالات

 

وسط الرعب اليومي الذي يتكشف في غزة، تبرز تقنية eSIM كشريان حياة حيوي، مما يوفر لسكان غزة نافذة ثمينة على العالم الخارجي، دون عائق، نسبيًا، من قبل قوات الاحتلال. ويكمن الأمل في تعزيز هذا الاتصال، بتسخير إشارات أقوى من مزودي الشبكات المصريين، مما قد يوفر شبكة اتصال  تغطي مناطق أوسع في غزة. 

 

علاوة على ذلك، فإن نشر محطات شبكات الهاتف المحمول التي اقترحتها Vodafone مصر والتمكين المحتمل لقدرات الأقمار الصناعية Starlink يقدم حلاً رائدًا. يمكن لهذه المحطات تحسين تغطية بطاقة eSIM وتعويض أبراج الشبكة التالفة. لكن على الرغم من أن هذه الاستراتيجية قد تم اقتراحها والاتفاق عليها في البداية، إلا أنها تنتظر أن تدخل حيز التنفيذ تحت رحمة موافقة الكيان الصهيوني. إن تنفيذ هذه التدابير المبتكرة ينطوي على إمكانية تعزيز التواصل وقيادة جهود المساعدات الإنسانية، مما يساهم في نهاية المطاف في مستقبل لا تبقى فيه غزة على قيد الحياة فحسب، بل تبدأ في التعافي. 

 

أمل الشعب الفلسطيني منارة وسط الظلام

 

في ظل حصار دام 17 عامًا وأهوال الحروب التي شوهت هذه الأرض، بما في ذلك الحرب الحالية التي أودت بحياة أكثر من 30 ألف شخص، وشردت أكثر من نصف سكان غزة، وتسببت في دمار واسع النطاق، يضيء أمل الشعب الفلسطيني كمنارة في الظلام. 

 

وعلى الرغم من المعاناة التي تدمي القلوب والدمار شبه الكامل للمستشفيات وشبكات الاتصالات، فإن سكان غزة، بل وجميع الفلسطينيين/ات، يظهرون صلابة ملحوظة عصية على الفهم. إنهم يقفون كدليل حي على الروح الإنسانية الدائمة، ويعلمون العالم دروسًا عميقة في الإنسانية، وتصميمًا لا يتزعزع، وشجاعة، وحبًا لا يلين لوطنهم. 

 

في مواجهة الشدائد التي لا يمكن تصورها، يجسدون قوة الوحدة، ويخاطرون بحياتهم لمد يد العون لبعضهم البعض، والحفاظ على اتصال هش بالعالم الخارجي، ونقل رسالة مدوية إلى البشرية: “نحن على قيد الحياة. لن ننكسر.” إن واقع سكان غزة اليوم هو تذكير مثالي بالمخزون غير المنتهي من القوة والوحدة الكامنة في داخلنا. في غزة، كل لفتة خير، كل نبضة قلب، كل اتصال وإعادة بناء في مواجهة الاحتلال والدمار هو انتصار. انتصار لنا جميعًا نحن الذين نؤمن بانتمائهم المحق لأرضهم. 

احدث المقالات

The Eroticism of Sovereignty

Everyone agrees my body is a public matter. They just disagree on the management theory.    Strangers have opinions. Relatives

Fann w Fenjein: Renata & Ahmad Baydoun

Club + Listening Culture Even If It’s Two People in a Room: Renata Sabella and Ahmad Baydoun on Collapse, Community,

3. Mansaf

MANSAF The first time I had Mansaf was in Jordan, and my immediate reaction was: “I need more of this!!”

اقرا المزيد

Fann w Fenjein: Rust

Electro-Tarab “Bittersweet Is Part of Who We Are”: Rust on Identity, Sound, and Survival By Carol Ohair In this special conversation between two electro-tarab powerhouses

Memoirs of a Naughty Lebanese Woman

Note from the team: In a society where sex and pleasure are taboo, many things are left unsaid. In this column, Sin Dee describes what

Fann w Fenjein: Jana El Kurd

Prequel: Jana and I first crossed paths in Lebanon in 2017, before reconnecting in Montreal a couple of years later. Our circles overlapped, and soon