يمارس الناس حياتهم اليومية في دير الزور، أكبر مدن شرق سوريا. تشرين الأول 1994. تصوير هاوبي غيرهارد هاوبولد، عبر ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0)
«بتعرفي الفورة؟»، تقول صديقتي ريم كدو المنحدرة من مدينة دير الزور بابتسامةٍ عريضةٍ، وهي تلفظ الكلمة بلهجتها المحلية المحبّبة. ثم تحاول أن تشرح لي عن هذا الطبق «الديري» التقليدي الذي يصعب أن يعرفه أحدٌ خارج إطار المحافظة الواقعة شرق سوريا.
«الفورة أكلة ديرية من الجشج والعوين. الجشج هو حنطة مجروشة ومو مطبوخة نخلطها مع الخاثر الثقيل على شكل أقراص. هي الأقراص نرجع ننقعها بمي ونعصرها لنحصل على مستحلب لبني ثقيل نغليه مع التحريك لحد الفوران ونضيف العوين (اللوبيا الناشفة) بعد نقعها وسلقها وبعدين يجي وقت الطشة اللي هي عبارة عن سمنة عربية وثوم»، تقول، وتضيف أنّ الفورة هي من الأكلات المحبّبة لدى عائلات الدير في فصل الشتاء خصوصاً.
في كل مرّة كنت أزور عائلة ريم وأختها ماجدة، اللتين نزحتا مع بداية الحرب في سوريا من مدينتهما إلى دمشق إثر اشتداد وتيرة المعارك هناك واستحالة العودة إلى المحافظة المدمّرة، كنت أشعر بنوعٍ من الإعجاب تجاه قدرتهما على الحفاظ على كل ما يتعلّق بموروث منطقتهما المميّز، وإصرارهما على نقله إلى أجيال العائلة الأصغر.
«الأمر بالنسبة لي كان شكلاً من أشكال مقاومة الحرب»، تخبرنا ماجدة كدو، وهي أم ومعلمة خمسينية. «نريد أن نبقى أبناء الأمكنة التي نشأنا فيها. بالطبع تغيّرنا كثيراً خلال كل هذه السنوات، الدير لم تعد نفسها وأرواحنا كذلك، لكنني متمسّكة بثقافتنا وبشدّة».
لدير الزور ثقافة طهي مميزة، إذ تمتاز خضرواتها ولحومها الحمراء بمذاق فريد يعود إلى طبيعة التربة والمياه الخاصة في المدينة. تشرين الأول 1994. تصوير هاوبي غيرهارد هاوبولد، عبر ويكيميديا كومنز (CC BY-SA 4.0)
ثقافة طعام غنية
تستفيض ماجدة في حديثها مع «الراوية» في شرح خصوصية ثقافة الطعام في مدينتها، وهي تأتي من المذاقات المتداخلة فيها، وتعزو ذلك لاختلاف التربة والمياه عن بقية المدن السورية، ما يعني طعماً مختلفاً للخضروات واللحوم الحمراء: «في دير الزور ترعى الماشية في البادية، والعلف الذي تتغذّى عليه يجعل للّحم رائحةً وطعماً أشهىً بكثير، فلاحظت أنّ اللحم هناك أكثر طراوةً وأزهى لوناً وأسرع استواءً في الطبخ».
ومن الأطباق الأكثر شهرةً في دير الزور، ثرود البامية وتتألّف من البامية والبندورة وكمية كبيرة من اللحم مع العظام، وتنوّه إلى طريقة تقديمها: «لمّا تحطي الثرود لازم كمّية اللحم تغطّي المنسف، قرن البامية ما بياخد حيّز، وإنّما لازم تكون اللحمة ظاهرة على الوجه. عنا أيضاً ثرود المصارين أي كل أجزاء الخاروف».
أما الكباب الديري فقد ارتبط بذاكرة الناس بالسهرات على كتف نهر الفرات، فمرّة أسبوعياً على الأقلّ تخرج العائلات للتنزّه على رصيف النهر، ورائحة شواء الكباب مع أنغام أغنيات الموليّا الديرية تكون الحاضر الأهم في المكان. وتقول ماجدة: «الكباب هي الأكلة اللي يتشارك كل الديريين فيها، بمناسبات الفرح والعزاء، فنمط العزاء عنّا مرتبط بالطعام، ويجي لأهل الميت من الأصدقاء ما نسميه «غرْف العزاء» يعني على الأقل 5 كيلو كباب أو منسف».
لثمار الكمأة أيضاً حضورٌ قويٌّ في المحافظة لكونها تتوافر بكثرة في الربيع والصيف، ولها طقوس خاصّة، إذ تجتمع النسوة في الموسم ويتعاونَّ على تنظيفها باحتفاليةٍ واهتمام، والأمر ذاته ينسحب على المؤونة التي يهتم بها أهل الدير «بشكل مبالغ فيه» كما تقول السيّدة: «ما في عائلة ما تموّن 30 كيلو جبنة ع الأقل، والعائلات الغنية كميات أكبر بكثير، وكنا نحتفظ بمونة الجبنة ببراد المدينة حتى ما تتلف بالبيت بسبب حرارة الطقس، وناخذ فيها إيصالات».
تستخلص ماجدة بالقول: «الديريين عموماً فعلاً الأكل اله عندهم موقع خاص. هو مو استهلاك. طبيعة الحياة بالمحافظات الأخرى أو عالأقل بالشام تخلي الواحد ياكل ويطبخ بسرعة. يمشي حاله بأيام الأسبوع كيف ما كان. بالدير ما في هي الثقافة. نحنا وعم ناكل الغدا نسأل بعض شو الغدا بكرا. في احتفاء بشكل ما بالأكل. أغلب المصروف بدخل أي عائلة كان لللأكل».
للأسف، كل ذلك تغيّر أو اختفى في مطحنة الحرب السورية.
ينتشر الكمأ الصحراوي في دير الزور خلال المواسم الدافئة، ويُستخدم في مجموعة متنوعة من الأطباق الديرية. تصوير لاميد خالد عبر ويكيميديا كومنز(CC BY-SA 3.0).
«كي لا ننسى»
نزحت ماجدة مع زوجها وابنتيها وابنها من دير الزور عام 2012، واستقرّ بهم المقام في دمشق حتّى اليوم. دمّرت الحرب بين قوّات النظام السوري وفصائل المعارضة وبعدها تنظيم الدولة الإسلامية معظم معالم المدينة وبناها التحتية، وعندما تتحدّث السيّدة عمّا تركوه خلفهم في رحلة النزوح، لا تنسى ذكر «مؤونة الجبنة في براد المدينة»، وقد جلبوا معهم إيصالات الإيداع كأي غرضٍ ثمينٍ، معتقدين أنّهم سوف يعودون بعد فترة قصيرة، لكن رحلة النزوح طالت بشكلٍ غير متوقّع، وعاماً تلو عام كان كلّ شيء يصبح أكثر صعوبةً.
«عندما نزحنا كانت لدينا ذخيرة مالية جيدة، وحاولنا قدر الإمكان أن نبقي أولادنا على تماسٍ مع ثقافة الطعام الديري، فهي جزء من شخصيتنا، وعندما نحكي ذكرياتنا فهي مقرونة بالمائدة وطبيعة الأكل وتصنيف الشخصيات، ففلان رجل كثير السخاء وتلك امرأة «معدلّة» أي أنّها تجيد الطبخ»، تقول.
استمرّت ماجدة بطبخ ثرود البامية والفورة وغيرها وإن بصعوبة، فالمدّخرات تقلّصت عاماً بعد آخر ومن ثمّ لم يعد بالإمكان إعداد جميع الأطباق خصوصاً تلك المكلفة مثل ثرود المصارين أو الرؤوس، وهي أيضاً تتطلّب جهداً كبيراً ومشاركة من أفراد العائلة الذين لم يعودوا موجودين. كما تنوّه إلى تأثّر ثقافة العائلة بالمكان الجديد، فطعم المكوّنات ليس ذاته في دمشق، وتحكي عن المرة الأولى التي تلقّت فيها العائلة هدية ثمينة هي «الكشك الديري» بعد خمس سنوات من النزوح: «صرنا نصرخ ونحتفل كمن حصل على كنز. الكشك الديري يحتاج إلى شمس قوية وأرض واسعة كي يجفّ وهو أمر غير متوافر في دمشق، وبالطبع فإن اللبن هناك مختلف جداً عمّا نحصل عليه هنا». صار بإمكان ماجدة أخيراً إعداد طبق الفورة من جديد، بنفس الطعم والذاكرة والحنين.
«نجحت في تعريف أبنائي على ثقافة الأكل الديري، وإن ليس بجميع الأطباق، ولكن نظرياً بمحاولة مجاراتها أو صنعها على الأقلّ. الأمر أخذ شكل الإصرار على معرفة الطبق وليس فقط تذوّقه، كي لا ينسى ابني ماذا تعني ثرود البامية أو الفورة أو السيالة»، تختم السيدة حديثها.
مجموعة من الأطباق الحلبية أعدّها ابن حلب، صهيب عنجريني. تصوير صهيب عنجريني.
«الطعام السوري نمط حياة»
بين حلب ودمشق وبيروت وبعدها إسبانيا، تنقّل الصحافي صهيب عنجريني خلال العقد الماضي حاملاً معه ثقافة الطعام الحلبي الذي يحبّه ويتباهى به كثيراً ويعتبره «نمط حياة» ويتقن صنع معظم أطباقه الشهيرة والغنية. وكما تغيّرت حياة الرجل الأربعيني كثيراً في رحلة التنقّل التي خاضها خلال سنوات الحرب في سوريا، تعرّضت هذه الثقافة لكثير من المدخلات الجديدة في كل محطة.
يقول صهيب لـ«الراوية»: «بطبيعة الحال عندما نحتكّ بمناطق ودول جديدة، تختلف مفاهيمنا حول الطعام ويترك الأمر أثراً على ثقافتنا. مثلاً، أنا ابن حلب وهناك لا نستخدم دبس الرمّان كثيراً، ومع إقامتي في دمشق اكتسبت عادة إدخاله إلى العديد من الأطباق. وعندما زرتُ الهند قبل عشرة أعوام، تعلّمت أطباقاً ما زلت أطبخها حتّى اليوم، واكتسبتُ أموراً تتعلّق بفهمي لثقافة المطبخ الحلبي من خلال مقارنته بالهندي والآسيوي. أما التجربة الأهم فهي انتقالي للحياة في إسبانيا منذ عام 2020، ورغم أنّها بلد متوسّطي فهناك تفاصيل كثيرة مختلفة عن المطبخ الشرق أوسطي والسوري، فالإسباني بحري بينما يعتمد السوري على الحبوب والبقوليات والخضار واللحوم الحمراء».
الحفاظ على ثقافة المطبخ الحلبي والسوري عموماً لدى صهيب وعائلته لم يكن مجرّد «محاولة» بل «أمر محسوم»، كما يشرح بفخر: «من دون قرار ولا شعورياً، كنت أبحث عن الطعام الذي اعتدت عليه وكان الأمر سهلاً عموماً لأنّني أتقن الطبخ، فكان التحدّي الأساسي هو توافر الموادّ الأوّلية، وبعضها يصعب الحصول عليه هنا مثل الملوخية ودبس الرمان ورب البندورة والفريكة، في حين نجد موادّ أخرى كالتوابل وهي أساسية في المطبخ الحلبي». في المحصّلة، يرى صهيب أنّه نجح في الحفاظ على ثقافة الطعام السوري في عائلته الصغيرة، فهو «طبقهم اليومي، ومدعاة للفخر أيضاً أمام الضيوف، فخر بالطعام نفسه ومكوّناته وما يرتبط به من معلومات وثقافة».
طبعاً يتطلّب الأمر بعض التحايل كما يشرح: «مثلاً طبق «قارن يارق» الحلبي يعتمد على حبّات الباذنجان الصغيرة، لكنّني لا أجد سوى الكبيرة هنا فصرت أقطعها بطريقةٍ معيّنة لمقاربة طريقة الطبخ قدر الإمكان، والطعم الذي نربطه في ذاكرتنا بأنّه الطعم الأصيل. في المقابل لم أنجح حتّى اليوم في إعداد الكبّة السفرجلية لعدم توافر السفرجل، والسمّاقية لصعوبة توفير كمّيات كبيرة من السمّاق، وتبقى أطباقاً أخرى مرتبطة بذهابي إلى سوريا حصراً لكي أتناولها».
عندما يعود صهيب إلى زيارة حلب، يشعر وكأنه في «كرنفال» من الطعام والتذوّق. «هناك أكون على موعدٍ مع طريقة تعامل الحلبيين مع الطعام، فهو حدث قائم بذاته ويستحقّ أن يُحتفَل به دائماً. حتّى لو كنت أعدّ نفس الأطباق في المهجر، فأنا أحبّها أكثر في حلب ولو اختلفت بعض التفاصيل وتكيَّفت مع الأوضاع الاقتصادية، لكنّه يبقى أمراً مرتبطاً بالمكوّنات والطعوم التي نشأنا عليها وغذّت ذاكرتنا الذوقية. كما أنّ هناك أطباقاً غير منزلية تُقدَّم في المطاعم والمحالّ مثل المشاوي، وعش البلبل المكوّنة من العجين واللحم ودبس الرمان والتوابل والصنوبر، والسجق والبسطرما التي وصلتنا من المطبخ الأرمني وتطوّرت في حلب بشكلٍ مختلف. الذهاب إلى حلب يعني تجديد ذاكرتي الذوقية».
بعد تنقله بين حلب ودمشق وبيروت وإسبانيا خلال السنوات العشر الماضية، تعلّم صهيب عنجريني تكييف أطباقه الحلبية بحسب توفّر المكوّنات في كلّ مكان. تصوير: صهيب عنجريني.
مطبخ للمغتربين
قبل اثني عشر عاماً، انتقلَت ريتا باريش، وهي مدوّنة وباحثة سورية في مجال ثقافة المطبخ، من دمشق إلى ألمانيا. بدايةً كانت تعمل في القطاع المصرفي، ثم وجدت نفسها لاجئة بفعل مآلات الحرب، فدفعها المنفى القسري إلى البحث عن وسيلة لإعادة الاتّصال مع هويّتها والتواصل مع الآخرين، ووجدَت في المطبخ علاجاً ومساحةً حيّةً وحميمة. وكانت النتيجة أنّها أسست مشروع «مطبخ غربة» على فيسبوك، كما أخبرت «الراوية».
بدأ المطبخ عام 2015 كمحاولة شخصية من ريتا لاستعادة الاتّصال بالهويّة الثقافية السورية من خلال إعداد وصفات تقليدية ومحاولة إيجاد بدائل للمكوّنات في الغربة وسرد ذكريات مرتبطة بالطعام. مع الوقت، اجتذب المشروع مشاركين من خلفيات متنوّعة، من لاجئين وفنّانين وباحثين وأشخاص من المجتمع المضيف، فأصبح منصّةً جماعيةً لسرد القصص والتجارب، وتطوّر المحتوى من مجرّد وصفات تقليدية إلى توثيق لتقنيّات الطهي المهدَّدة بالاندثار، ومقالات تربط المطبخ بالهوية والمنفى. واليوم تضمّ مجموعة المطبخ أكثر من 24 ألف عضو/ة.
تضيف السيّدة الأربعينية أنّ «مطبخ غربة» نشأ من «الحاجة إلى تحويل الغربة إلى تجربة تفاعلية، فيصبح الطبخ أداةً لاستعادة الذكريات، ومشاركة القصص، وخلق حوارات بين الثقافات. المشروع لا يقتصر على إعداد الطعام، بل يقوم على توثيق التراث الغذائي السوري، والتأكيد على أن الطبخَ هو فعلٌ ثقافيٌ مقاومٌ للنسيان». وتشير إلى أنّ المطبخ أتاح لها المشاركة في فعاليات في ألمانيا قدّمت فيها الطبخ كوسيلة للتفاعل الثقافي مع الجمهور، ونظّمت دورات في مدارس للطبخ حيث قدّمت المطبخ السوري كجسرٍ للحوار والتبادل الثقافي. كما أنّها تأمل أن تتاح لـ«مطبخ غربة» فرصة المساهمة بتعزيز السلم الأهلي في سوريا من خلال لقاءات حول موضوع المطبخ، وسرد قصص الحرب والنزوح والحصار بطريقة إنسانية، والاحتفاء بتنوّع الأطباق كرمزية للتنوّع وقبول الآخر.
“مطبخ غُربة” هو مشروع مطبخي أطلقته ريتا باريش، المدوّنة والباحثة السورية في الثقافة الغذائية، بعد انتقالها من دمشق إلى ألمانيا نتيجة الحرب السورية. الصورة من ريتا باريش.
من أكثر الأمور التي لفتت انتباهَ ريتا هي كيف يتحوّل الطعام إلى مساحة للمقاومة، ووسيلة للحنين وللحفاظ على الهويّة. تقول: «لاحظتُ أنّ الكثيرات يتمسّكنَّ بوصفات الجدّات والأمّهات ليس فقط لأنّها لذيذة، بل لأنّها تمنح شعوراً بالأمان والانتماء وسط بيئة جديدة وغريبة. من الأمثلة التي بقيت في ذاكرتي، امرأة أصرّت على طبخ الملوخية في ألمانيا رغم صعوبة العثور على المكوّنات، لأنها «تريد رائحةً تشبه البيت». امرأة أخرى لم تكن تطبخ في سوريا، لكنّها تعلّمت في المهجر لتتمكّن من نقل نكهة الذاكرة إلى أولادها الذين لم يعرفوا الوطن. نجحنا في الحفاظ على هذه العلاقة رغم كلّ التحديات، وكانت الطقوس الغذائية شكلاً من أشكال المقاومة الناعمة، وكأنّنا كلّما أعددنا طبق ورق عنب أو كبة نقول: نحن سوريون أيضاً ولو عن بعد».
تشير ريتا أيضاً إلى أنّ الغربة غيّرت علاقة السوريين بالطعام: «في الوطن، قد لا نفكّر كثيراً في معنى الطبخ، أمّا في المهجر، يصبح فعلاً واعياً نكرّس له وقتاً أشبه بالطقوس، من البحث عن المكوّنات إلى إيجاد الوقت لتنفيذ الوصفة واختيار المدعوِّين والتقديم. جميعها محاولات للبحث عن أنفسنا والتأكيد على من نكون، وترميم ما كسرته الحرب والرحيل القسري. وفي بعض الحالات يتسلّل إلى هذه العلاقة طابعٌ كولونيالي أو استشراقي، ينعكس في الطريقة التي نرى بها أنفسنا من خلال عيون الغرب، أو في كيفية تقديم مطبخنا كجزء من سردية «اللاجئ» أو «الشرقي»».
***
الحفاظ على ثقافة الطعام السوري خلال السنوات الأربع عشرة الماضية والتي عاشت خلالها سوريا حرباً طاحنة وقتلاً وتهجيراً للملايين، لم يكن فعلاً سهلاً. بالنسبة لكثيرين، كان خياراً واعياً رغم صعوبته، وبالنسبة لآخرين، لم يكن متاحاً بسبب ظروف النزوح واللجوء الصعبة.
أمثلة كثيرة يمكن الحديث عنها في هذا الإطار، فهناك مئات الحكايات مثل تجارب ماجدة وصهيب وريتا، ورغم أنّ للأمر الكثير من الجوانب السلبية، إلّا أنّ له أيضاً جوانب إيجابية. بسبب النزوح والحرب تذوّقنا لأول مرة في دمشق أطباقاً من دير الزور بعد أن صار لدينا مطعم «ديري» في وسط المدينة، وصرنا نرى أكلات من مختلف المحافظات مجتمعة على مائدة واحدة، وتداخلت النكهات والطعوم بين أنحاء البلاد المتنوّعة، بنجاحٍ أحياناً وبطرقٍ غريبةٍ وغير مألوفة أحياناً أخرى.
اليوم، ومع سقوط نظام الأسد، سيعود كثيرون إلى مدنهم وقراهم ومنازلهم، وسيبقى بعض الناس حاملاً لتلك النكهات الجديدة في حقيبته، وقد يقرّر الاحتفاظ بها ومزجها من جديد في حياته. تقول ريتا: “ربما تغيّرت ثقافتنا لكنّها لم تفقد جوهرها. ظهرت ابتكارات وتحوّلات فرضتها الظروف، وأضافت تجربة الغربة بُعداً سيصعب تجاوزه، إذ اكتشف السوريون مطابخ جديدة واندمجوا فيها وأخذوا منها، كما اختفت أطباق من موائد السوريين داخل البلاد بعد أن ساد نمط من التقشّف القاسي، وأصبح الطبخ رفاهية لا يمتلكها كثيرون خصوصاً من يعيشون في المخيّمات أو تحت الحصار. لكنّني أؤمن بأنّ الهوية الأساسية للطعام السوري ستظلّ حاضر”.

Zeina Shahla
Zeina is a Syrian journalist based in Damascus. Her work focuses on environmental, cultural, and social matters, and she particularly works on documenting non-material Syrian heritage. Zeina is also the creator of Turath Masmou3, a podcast focusing on Syrian culture and heritage.









