“لا أشعر بالأمان الكامل حتى أصل إلى وجهتي”، بهذه الكلمات تلخص زينب تجربة العديد من النساء مع وسائل النقل العام، إذ أغلبهن يواجهن مخاوف مماثلة أثناء تحركاتهن، مما يجعل التنقل اليومي تحديًا نفسيًا وجسديًا مستمرًا. وفي ظل غياب اجراءات حماية فعالة، بدأت بعض النساء بالبحث عن حلول بديلة تمنحن شعورًا أكبر بالأمان، مثل خدمات التاكسي المخصصة للنساء.
شهادات من ميدان وسائل النقل العام
زينب (22 عامًا)، لا ترى التنقل مجرد وسيلة للوصول، بل لحظات من الترقب والحذر. تتجنب الحديث مع الغرباء والتفاعل معهم، تبقى متيقظة طوال الطريق، وتمتنع عن استخدام المواصلات في الأوقات المتأخرة، حتى عند ركوبها سيارة أجرة تحرص أن لا تكون بفردها مع السائق
مريم (30 عامًا)، رغم أن الأمر لا يناسبها دائمًا، تضطر إلى تجنب العودة إلى منزلها خارج بيروت بعد انتهاء دوامها مع حلول المساء، مفضلة البقاء في المدينة، إذ لا ترتاح لفكرة التنقل بمفردها، خاصة أن المسافة إلى بيتها تستغرق نحو ساعة. وفي حال اضطرت للتنقل نهارًا، تختار مرافقة شخص كبير في السن (ليس لأنها تعتبر أن الكبار بالسن أكثر أمانًا بالضرورة، بل لأنها تشعر براحة أكبر بهذه الطريقة). ورغم أنها لم تتعرض لموقف مباشر، إلا أن النظرات المزعجة التي تتلقاها في الطريق تجعلها في حالة تأهب دائم.
غادة (63 عامًا)، لديها تجربة طويلة في استخدام وسائل النقل العام، إذ تتنقل يوميًا بين منزلها ومكان عملها عبر الحافلات وسيارات الأجرة. غالبَا ما تشعر بالأمان، بفضل معرفتها بالأشخاص الذين ترافقهم، وتعتمد معايير دقيقة لاختيار وسيلة التنقل. تفضل السيارات القديمة التي لا تعمل نوافذها وأقفالها بالكهرباء، تفاديًا لتحكم السائق الكامل بها، وهو حرص نابع من حادثة أليمة تعرضت لها زميلة سابقة لها، تركت أثرًا عميقًا في ذاكرتها.
لم تكن فكرة “التاكسي المخصص للنساء” بالنسبة لمريم وزينب وغادة مجرّد رفاهية بل حاجة يومية ملحة. حين طرحت عليهن سؤالاً عن تفضيل أن تكون سائقة التكسي امرأة، أجمعن من خلفيات مختلفة على أن ذلك يمنحهن شعورًا أكبر بالأمان والثقة خلال تنقلاتهن التي ترافقها غالباً مخاوف وعدم ارتياح. وأكدن على أهمية وجود هذا الخيار، ليس فقط لما يوفّره من راحة نفسية، بل أيضًا لما يعكسه من وعي بخصوصية حاجات النساء في الفضاء العام
مبادرات فردية في ظل غياب الدولة
مع انعدام الحلول الرسمية، تظهر بين الحين والآخر مساهمات فردية تحاول سد هذا الفراغ.
المبادرة الأولى:
جعلت من سيارتها وسيلة للعيش بكرامة، ومن أزمتها فرصة.
هكذا اختارت ندى عطوي، امرأة سبعينية، أن تتحدى الانهيار الاقتصادي الذي عصف بمستوى معيشة اللبنانيين. فبعد تراجع أوضاعها المادية نتيجة الأزمة المالية في عام 2018، فكّرت في بيع سيارتها. لكن نصحها المحيطون بها بتحويلها إلى مصدر دخل، ومن هنا ولدت فكرة التاكسي المخصص للنساء فقط، تستقله من ترغب في خدمة تراعي خصوصيتها وتوفر لها الراحة.
تشير إلى أنها لاقت ترحيبًا كبيرًا من النساء اللواتي رأين في فكرتها استجابة لحاجتهن إلى تحرك أكثر طمأنينة، ما منحها دافعًا للاستمرار رغم التحديات.
تؤمن ندى بأن العمل ليس حكرًا على الرجال أو النساء، بل هو حق للجميع. وترفض أن تعتمد المرأة على أحد لتأمين معيشتها، معتبرةً أن المهم هو الاستقلالية والابتكار، لا نوع العمل أو من كان يؤديه سابقًا.
وهي تتمنى أن تتوسّع هذه المبادرة لتأخذ طابعًا مؤسساتيًا، عبر مشروع أوسع يضم مكاتب تنظيم وتنسيق، يخلق للسيدات فضاءً مناسبًا يمكنهن من العمل والتنقل بمرونة.
المبادرة الثانية:
وجدت مجموعة من الشابات أنفسهن أمام رؤية واحدة، هدفها المشترك مشروع يحرّر الرحلة من ثقل القلق، فقط كانت التجارب الشخصية، ومواقف نقلت إليهن من نساء حولهن، كفيلة بطرح سؤال جوهري: لماذا ننتظر من يصلح هذا النقص، ولماذا لا نبدأ نحن إلى إيجاد حل؟
من هنا، ولد مشروع “HEYA RIDE” ليس بوصفه مجرد خدمة نقل، بل كمبادرة تسعى إلى كسر القوالب النمطية حول وجود المرأة في الفضاء العام. ورغم أنّ مؤسسه رجل، إلا أنّ انخراطه اليومي في محيطه، واحتكاكه بزميلاته في العمل، جعله يلمس الحاجة المُلِحّة لدى النساء لوسائل نقل آمنة تُراعي خصوصيتهن، فشكّلت المبادرة استجابة عملية لتلك الحاجة.
ولتجذير هذ الأمان، حرص القائمون على تطوير آليات متعددة، من بينها تفعيل زر الطوارئ للراكبات والسائقات، وخاصية التتبع اللحظي للمسار من أجل مشاركته مع أي شخص، حتى ولو لم يستخدم التطبيق، ما يضمن إمكانية تتبع سيرها الكامل من قبل أهلها أو صديقاتها.
غير أن الطريق نحو تعميم هذه التجربة لم يكن خاليًا من التحديات. أبرزها تأمين عدد كافٍ من السائقات لتوسيع نطاق الخدمة وضمان وصولها إلى أكبر عدد ممكن من النساء، وهو ما يتطلّب تدريب سائقات مؤهلات وجاهزات للعمل، ومواجهة النظرة النمطية لفكرة “المرأة كسائقة أجرة”، التي ما زالت تُعدّ غريبة على شريحة واسعة من المجتمع. من هنا، جاءت أهمية حملات التوعية، لا للترويج للقيادة كمجرد وظيفة، بل كمساحة جديدة لحضور النساء في قطاع ظلّ لسنوات طويلة حكرًا على الرجال.
ولأن الأمان، ليُصبح حقًا مُتاحًا للجميع، يحتاج إلى ما هو أبعد من التطبيق والرحلة، إلى بنية داعمة تضمن الاستمرارية وتُوسّع الأثر، فقد عمل الفريق على تطوير خارطة استراتيجيات واضحة، تقوم على عدة محاور أساسية: تأمين دعم مالي مستدام، حملات توعية لتغيير النظرة النمطية، التوسّع الجغرافي المدروس، التدريب المستمر للسائقات لتعزيز شعورهن بالتمكين المهني، والاستماع الدائم لملاحظات الراكبات لضمان تطوير الخدمة تماشيًا مع احتياجاتهن المتغيّرة.
لماذا يبقى الأمان مطلبًا أساسيًا للنساء في وسائل النقل؟
في بلد تتغيّب فيه الدولة عن تأمين أبسط حقوق التنقّل الآمن، تتحمّل النساء الثمن مضاعفًا: خوفٌ دائم، وتغييرات قسرية في نمط الحياة. فبحسب آخر دراسة أعدتها مؤسسة “نقطة” بالتعاون مع منظمة “فريدريتش إيبرت” عام 2023، أفادت 61% من النساء بعدم شعورهنّ بالأمان في وسائل النقل العامة لأسباب تتراوح بين التحرش اللفظي أوالجسدي، والخوف من السرقة أو الاعتداء، وغياب الخصوصية، وفقًا لما أفادت به المديرة التنفيذية لمؤسسة “نقطة” علياء عواضة.
بالطبع، وجود امرأة خلف المقود قد يعزز شعورًا أكبر بالأمان، لكن، كما تؤكد عواضة، هذا لا ينبغي أن يكون الحل الوحيد. فالأمان يجب أن يكون القاعدة، لا الاستثناء. أي أنه من المفترض أن تشعر النساء بكل الأوقات بالطمأنينة خلال تنقلهن، بغضّ النظر عن هوية السائق أو وسيلة النقل. من هنا، تشدّد على ضرورة معالجة جذور المشكلة من خلال سياسات واضحة وخطط نقل تراعي احتياجات النساء في مختلف المناطق اللبنانية، وتوفّر لهنّ بيئة تنقّل آمنة، مستدامة وشاملة.
وأضافت أن المبادرات الفردية التي توفر بديلًا أكثر أمانًا للنقل تُعدّ خطوة على الطريق الصحيح، لكن ما زالت محدودة في نطاقها الجغرافي ولا تصل إلى جميع المناطق. كما أن كلفتها المرتفعة مقارنة بوسائل النقل التقليدية تجعلها غير متاحة لشريحة واسعة من النساء، لا سيما ذوات الدخل المحدود. لذلك، تدعو إلى دور فاعل للدولة في دعم هذه المساعي وتوسيع نطاقها.

تالا حسن
.تالا حسن صحفية مستقلة وكاتبة لبنانية وصانعة محتوى، أهتم بالقصص الإنسانية والإجتماعية، وأسعى لتسليط الضوء عليها بأسلوب موضوعي









