كلوي خوري – القصة الأولى | عمر"

عمر، القبطان، والتفاحة الخضراء

عمر يبلغ من العمر ٣٧ عاماً، ويملك دكاناً صغيراً في عين المريسة. وكما والده قبله، هو أيضاً قبطان بحر، يجذبه البحر كما تجذبه الأرض. نشأ بين الموج وعطر الخضار الطازجة، وتعلّم كيف يقود المركب ويدير الدكان—إرثان من الرجل الذي ظلّ قدوته الأولى.

عندما كان طفلاً، كان عمر يحب التفاح الأخضر. وكان والده يعرف ذلك، فيُبقي دائماً تفاحة واحدة جانباً خصيصاً له. في أحد الأيام، دخل رجل إلى الدكان يريد شراء صندوق كامل من التفاح الأخضر. طلب والد عمر من الرجل أن يترك تفاحة واحدة لابنه، لكن الرجل رفض. فقال له: “بُفضّل أخلّي هالتفاحة لإبني، ولا أبيعك الصندوق كلّه”.

 

هكذا كان والده: صاحب مبدأ، عنيد، ومتفانٍ في حبّه لعائلته.

عندما توفّي والده، تبدّل عالم عمر بالكامل. لم يكن لديه الوقت للتفكير في الأحلام أو الطموحات الشخصية؛ عائلته كانت بحاجة إليه. فارتدى حذاء والده، وأدار الدكان، وحرص على أن يكفيهم القوت. لم يُكمل شهادته الجامعية، لكن بعد سنوات من التضحيات، ها هو اليوم يُكمل دراسته في الهندسة. ليس من السهل الموازنة بين كل شيء، لكن عمر لم يكن يوماً ممن يستسلمون للتحديات.

 

رغم كل الصعوبات، يجد الفرح في كلتا مهمّتيه. يحب البحر، ويعشق حريّة قيادة المركب، والطريقة التي تحمله بها الأمواج. لكنه يحب أيضاً دكّانه—إيقاع وزن الخضار الطازجة، الأحاديث مع الزبائن، والرضا الذي يشعر به حين يؤمّن طعاماً جيداً بأسعار عادلة. وقد أدرك أهمية أن نأكل جيداً، أن نغذّي الجسد والروح.

 

أكثر ما يحلم به هو أن يمتلك قطعة أرض عضوية، يزرع فيها فواكه وخضروات نظيفة، ويبيعها للناس كما أرادته الطبيعة، من دون مواد كيميائية، ومن دون وسطاء. طعام من الأرض إلى المائدة.

ولا يزال حتى اليوم يُخزّن التفاح الأخضر في دكّانه. ربما أصبح عادة، وربما شيء أعمق—طريقة للبقاء على صلة بالماضي، بوالده الذي شكّله، وبالحب الذي تجسّد في تفاحة موضوعة جانباً عند نهاية كل يوم.

قد لا يكون الدكّان مصدر ربح وفير، والأيام صعبة، لكن عمر لا يفعل هذا من أجل المال. هو يفعلها لأنها تُبقيه متجذّراً. تُبقي إرث والده حيّاً. تُبقيه على اتصال بما هو حقيقي.

 

وهكذا، يُكمل عمر طريقه، بين الأرض والبحر، بين الماضي والمستقبل، بين الواجب والأحلام.

كلوي خوري

كلوي هي صانعة أفلام ومصوّرة لبنانية، تنسج عبر عدستها قصصًا حميمة تُعنى بالقضايا الاجتماعية، والصراعات الشخصية، والأصوات التي غالبًا ما تُهمّش في المشهد اللبناني. تحمل خلفية أكاديمية في الإعلام، وماجستير في التسويق والتنمية المستدامة، لكنها اختارت أن تجعل من الكاميرا أداة للمناصرة والتوثيق الإنساني.

أعمالها عُرضت في أماكن مرموقة مثل كاميرا تورينو (بالتعاون مع ICP)، ومهرجان "نظرات من المتوسّط" السينمائي، وBeirut Art District. من خلال عدستها، تنسج كلوي علاقات عميقة مع الناس والأماكن، لتجعل من التصوير أداة للشهادة والانتماء.

احدث المقالات

Fann w Fenjein: Michel Maouad

  Michel Maouad’s “Good Thing We Cleaned the Stairs”:  Beauty in the Mundane Experience  Foreword: I had the chance to

Fann w Fenjein: Queer Falafel

Fann w Fenjein: Queer Falafel On bodies, borders, and the politics of refusal Foreword: Queer Falafel does not perform to

1. Sfiha

SFIHA History   Sfiha holds a special place in the Levant (and in my heart). You’ll commonly hear the terms

اقرا المزيد

عندما يصبح الأمان مسؤولية فردية

“لا أشعر بالأمان الكامل حتى أصل إلى وجهتي”، بهذه الكلمات تلخص زينب تجربة العديد من النساء مع وسائل النقل العام، إذ أغلبهن يواجهن مخاوف مماثلة