النبيذ الفلسطيني والجبن اللبناني: شراكة مثالية في وجه الطمس الثقافي"

منذ أكثر من سبعة وسبعين عامًا، لم تتوقف إسرائيل عن محاولاتها لإعادة صياغة هويتها، لا عبر السيطرة على الأرض فحسب، بل أيضًا من خلال الاستيلاء الثقافي الممنهج على تراث المشرق.


يتجاوز هذا السعي حدود تدمير القرى والمنازل الفلسطينية، أو تلويث المياه والسواحل اللبنانية. فالاستيلاء الإسرائيلي لم يكن يومًا جغرافيًا فقط، بل شمل الرموز الثقافية التي تعبّر عن شعوب هذه المنطقة، وفي مقدمتها الطعام.

 

لطالما نسبت إسرائيل إلى نفسها أطباقًا أساسية من المطبخ المشرقي — مثل الحمص، الفلافل، البابا غنوج، التبولة، والكنافة — وأعادت تسويقها عالميًا تحت مسميات مضللة مثل “اللبنة الإسرائيلية” و”الشاورما الإسرائيلية”، في محاولة لمحو أصولها وتزوير سياقها.

 

ومع استمرار هذا الاستلاب، بات الحفاظ على الهوية المشرقية ضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى.

 

صحيح أن الفنون والموسيقى والأدب تلعب دورًا مهمًا في مقاومة المحو، لكن الطعام يبقى من أصدق الروابط التي تجمع الإنسان بأرضه وهويته. فهو لا يحمل النكهات فقط، بل ينقل القصص والقيم والعادات التي تناقلتها الأجيال، من الجدات إلى الأحفاد.

 

وفي هذا السياق، تسلّط “الراوية” الضوء على ثنائية فريدة تجسّد مفهوم المقاومة المتجذّرة في الأرض والذائقة: النبيذ الفلسطيني والجبنة اللبنانية.

 

في فلسطين، يواصل صانعو النبيذ زراعة أصناف العنب المحلية، محافظين على تقاليد زراعية تعود إلى قرون، فيما يعمل صنّاع الجبنة في لبنان على إحياء واحد من أقدم أنواع الجبن في العالم، الذي كان يُخمّر تقليديًا في جرار فخارية.

 

نبيذ إقرت: تربة الذاكرة ومذاق المقاومة

 

في قرية إقرت الواقعة في أعالي الجليل، يرى أمير أشقر — وهو صانع نبيذ فلسطيني من الجيل الثاني في “مزرعة أشقر” — أن النبيذ ليس مجرد مشروب، بل امتداد حيّ لذاكرة عائلته، وشكل من أشكال المقاومة الثقافية في وجه الاحتلال الذي امتد لعقود.

أمير في طفولته مع جدّه الراحل (رحمه الله) يقطفان عنب السوفينيون بلان من كرم سَمّوع. 2014. الصورة من أمير أشقر.

وكما يقول أمير: “النبيذ ليس مجرد شراب نصنعه، بل هو استمرارية، وذاكرة، ومقاومة.”

 

كانت إقرت، قبل النكبة، موطنًا لحوالي 460 مسيحيًا و30 مسلمًا. قريتها المحاطة بمعاصر النبيذ القديمة، شاهدة على تقاليد صناعة النبيذ التي تعود لآلاف السنين، تحوّلت في عام 1948 إلى هدف عسكري خلال نكبة فلسطين، حين نفّذت إسرائيل مشروعها الاستعماري القائم على التطهير العرقي.

 

هُجِّر سكّان إقرت، ومن بينهم عائلة أمير، قسرًا من قريتهم، ثم جرى تحويل أراضيهم لاحقًا إلى مستوطنات تابعة لـ”دولة إسرائيل” الناشئة حديثًا.

 

يشرح أمير أن أهالي إقرت وُعِدوا حينها بالعودة إلى قريتهم، بل إن المحكمة العليا الإسرائيلية أقرت عام 1951 بحقهم في ذلك، لكن قبل تنفيذ القرار، كانت قوات الاحتلال قد دمّرت القرية بالكامل، لمنعهم من العودة إلى بيوتهم.

 

حتى اليوم، لا تزال عائلة أمير، إلى جانب عدد من أبناء القرية، تحافظ على وجود رمزي في كنيسة إقرت، ويواصلون دفن موتاهم في مقبرتها، رغم أن أي محاولة لزراعة الأرض تُقابل بالاقتلاع من قِبل “دائرة أراضي إسرائيل”، وهي هيئة حكومية تتبع لـ”مجلس أراضي إسرائيل” وتضع السياسات العقارية للدولة.

 

ورغم هذا الواقع القاسي، أعادت عائلة أشقر إحياء تقاليد صناعة النبيذ عام 2010، انطلاقًا من بلدة كفر ياسيف الواقعة على بُعد 10–15 كيلومترًا جنوب شرق إقرت.

 

اليوم، تُقدَّم نبيذات “أشقر” في مطاعم عالمية مرموقة مثل “أكوب” في حي نوتينغ هيل اللندني، والذي شارك في تأسيسه الشيف فادي قطّان.


ويؤكّد أمير أن صناعة النبيذ بالنسبة له تتجاوز كونها تقليدًا، بل هي فعل استعادة لما سُرق.

 

“هي طريقة لإحياء تقليد مارسه أجدادي قبل أن يُقتلعوا من أرضهم في إقرت”، يوضح أمير.

 

بمعنى آخر، صناعة النبيذ، بالنسبة له، ليست مسألة نكهة أو منتج فني فقط، بل عودة حسّية إلى الذاكرة، وتمسّك بالأرض، ورفض لمحاولة محو الثقافة الفلسطينية.

يقوم أمير بعملية “الرِمونتاج” (Remontage)، وهي تقنية تُستخدم في صناعة النبيذ أثناء التخمير لتعزيز اللون والنكهة واستخلاص التانين، وذلك خلال موسم القطاف. 2023. الصورة من أمير أشقر.

ومع ذلك، يرى أمير أن حتى فعلًا بسيطًا مثل تناول كأس من ميرلو مع خبز الطابون الطازج، وزيت الزيتون، والزعتر، هو عمل من أعمال التذكّر، ورفض للنسيان.

 

اللافت أن صناعة النبيذ ساعدت أمير على استعادة الذاكرة ومقاومة النسيان من خلال نظرته للأرض، أو ما يسمّيه “التيروار” — وهي الكلمة التي تصف مزيجًا فريدًا من العوامل البيئية، كنوعية التربة والمناخ والطبوغرافيا، التي تمنح النبيذ خصائصه المميّزة.

 

يصف أمير التيروار بأنه “ذاكرة تجسّدت في الملموس”، ويشرح أن نكهات الزعتر البري، والتين المجفّف، والنباتات الأصلية التي تتسرّب إلى نبيذه، تحمل في طيّاتها ملامح فلسطين ما قبل الاستعمار، قبل التهجير والهدم.

 

ويضيف: “المشروع الصهيوني لم يسعَ فقط إلى محو الإنسان الفلسطيني، بل حاول أيضًا محو المشهد الطبيعي الذي احتضنه.”

 

“ومن خلال هذه النبيذات، لا نحافظ فقط على تيروار فلسطين — بل نعيد إحياءه.”

زجاجات نبيذ معصرة أشقر، موضوع فوق أنقاض معصرة نبيذ أثرية في إقرث. الصورة من أمير أشقر.

القنبريس في بعلبك: تقليد لبناني مقاوم عمره ألف عام

في لبنان، كما في فلسطين، يشكّل الطعام وسيلة للحفاظ على التراث، ومقاومة النسيان، والارتباط بالماضي.


فبينما يركّز أمير أشقر على صناعة النبيذ كأداة للحفاظ على الثقافة الفلسطينية، يكرّس حسن الحسيني، المهندس الزراعي اللبناني والمشارك في إدارة فندق بالميرا في بعلبك – المدينة المعروفة بآثارها الرومانية – جهوده لإحياء تقاليد صناعة الأجبان اللبنانية، وعلى رأسها القنبريس، وهي جبنة نادرة تُخمّر في أوانٍ فخارية وتُعدّ من أقدم أنواع الجبن في العالم.

وكما هو حال أمير، نشأ حسن في بيئة زراعية وتعلّم الحرفة من والده. وبعد دراسته لعلوم البيئة وإقامته في الهند لفترة، عاد إلى لبنان مع انطلاق انتفاضة تشرين عام 2019، مدفوعًا بشعور بالمسؤولية تجاه بلده.


وعند عودته، انخرط في الحراك الشعبي وسخّر صوته للدفاع عن حقوق الناس والسعي نحو التغيير، مؤمنًا بأن الأفراد قادرون على إحداث فرق حتى في أصعب الظروف.

انتقل حسن إلى بعلبك، حيث شارك في مشروع إقامة فنية داخل فندق بالميرا، وكان هدفه تحويل الفندق إلى مساحة ثقافية تجمع الفن بالتراث المحلي، وتُعيد وصل المدينة بتاريخها الزراعي والغذائي. وكانت جبنة القنبريس في صميم هذا المشروع، بوصفها منتجًا يعكس علاقة الإنسان بالأرض، والصبر، والذاكرة الجماعية.

أنقاض معبد بعلبك كما تُرى من فندق  بالميرا، الذي يشارك في ملكيته حسن الحسيني. تصوير رامي الصبّان.

ومع ذلك، وعلى الرغم من حماسه ورؤيته الطموحة، واجه حسن صعوبات في تأمين التمويل اللازم لإطلاق مشروع الإقامة الفنية. ومع محدودية الموارد، تحوّل تركيزه نحو وسيلة أخرى لحفظ التراث اللبناني: الطعام.


لكن هذا التحوّل لم يكن سهلاً، إذ لطالما عانت بعلبك من صور نمطية سلبية، نتيجة الإهمال المزمن من قبل الدولة، وغياب الدعم الحقيقي للتنمية في المنطقة.


ولمواجهة هذا الواقع، قرّر حسن التركيز على إنتاج القنبريس، وهو جبن لبناني تقليدي يُحضّر داخل جرار فخارية.

يُشير حسن إلى أن عملية صناعة القنبريس تتطلّب جهدًا كبيرًا وتمتد طوال فصل الصيف، لكنها تُمكّن من حفظ الجبن بطريقة طبيعية دون الحاجة إلى التبريد، ليبقى صالحًا للاستهلاك طوال الشتاء.


وبالنسبة لحسن، فإن هذه العملية لا تعكس فقط براعة اللبنانيين، بل أيضًا صمود ثقافة قاومت التحديات، بما فيها الاحتلال الإسرائيلي.

يؤكّد حسن: “صناعة الجبن هي جزء من المقاومة.”


ويُضيف أنّ إحياء القنبريس هذا الفن العريق في صناعة الجبن، لا يُكرّم إرث عائلته فحسب، بل يُرسل أيضًا رسالة قوية حول هوية لبنان الثقافية.

في رأيه، تُجسّد عملية تحضير القنبريس – بما تتطلّبه من وقت وصبر – التاريخ الزراعي العميق الذي شكّل البلاد على مدى قرون.
ويُعلّق قائلاً: “قبل العولمة والتصنيع الغذائي، كانت لدينا عادات قديمة تقوم على الصبر والاهتمام.”


وانطلاقًا من هذا، يأمل حسن أن يُشكّل تقديم القنبريس لنزلاء فندق بالميرا ضمن وجبة الإفطار تجربة تُعيدهم إلى نكهات الماضي، وتُذكّرهم بتقاليد الطهي التي سبقت الإنتاج الصناعي الجماعي.

ويُشير إلى أن استخدامه لحليب الغنم والماعز اللبناني، بدلًا من الحليب المستورد من الأبقار، هو خطوة نحو إعادة الارتباط بما نملك فعلاً، قائلاً: “ما في حاجة نقلّد غيرنا، أرضنا فيها الخير.”


ويعتبر أن هذه المقاربة تُعزّز السيادة الغذائية، وتمكّن الناس من استعادة علاقتهم بالأرض، ومقاومة الأنظمة الغذائية العالمية التي تهدّد بإلغاء هويتهم.

يؤكد حسن على استخدام حليب الأغنام والماعز المحلي بدلاً من استيراد الحليب، تقديراً لما تقدمه الأرض من خيرات. تصوير سيرج ملكي عبر فليكر (CC BY 2.0).

تكريم الماضي من أجل المستقبل


في نهاية المطاف، بالنسبة لكل من أمير وحسن، يُمثّل الطعام وسيلة للارتباط بالجذور، وصون الموروث، ومواجهة محاولات الطمس الثقافي.
فمن صناعة النبيذ إلى صناعة الجبن، وجدا في هذه الممارسات طرقًا لتكريم أسلافهم وضمان استمرارية التقاليد.

 

كما يوضح أمير: “تاريخنا ما بيختفي لمجرد إنو في قوة استعمارية عم تحاول تمحيه.”


وبالمثل، يرى حسن في صناعة الجبن وسيلة لتذكير الناس بأهمية التاريخ الزراعي للبنان، وبأن الحفاظ على الأطعمة المحلية والتقليدية هو مفتاح حماية الهوية الثقافية.

Zainab Mehdi

 زينب مهدي هي صحفية بريطانية-عراقية وتشغل منصب محررة قسم المقالات في منصةالعربي الجديد. نُشرت كتابات زينب في منصات عدّة من بينها Mille World، وGQ الشرق الأوسط، ومركز كارنيغي للشرق الأوسط، وصحيفة ذا ناشيونال، وTRT World، ومجلة Tribe Photo، ومجلة 5ELEVEN، ومنصة Amwaj.media، وميدل إيست مونيتور، وThe Arab Weekly، ومجلة Oxford Middle East Review، وLSE Review of Books، ومركز الشرق الأوسط في كلية لندن للاقتصاد. تحمل زينب شهادة البكالوريوس في التاريخ الحديث والعلاقات الدولية من جامعة إسكس، ودرجة الماجستير في دراسات الشرق الأدنى والأوسط من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية. تقيم حالياً في لندن.

احدث المقالات

اقرا المزيد

Aline Deschamps

Aline Deschamps I’m a French Thai photographer, and I focus mainly on subjects linked to identity issues. They can range from issues like migration and

Inside Ray Uno’s Sonic Shift

With “Ghayr El Kell,” Lebanese producer and singer Ray Uno steps into a new sonic chapter — one that blends Arabic lyrics with electronic energy,