دروب اللحمة بعجين والحنين"

فرح برّو كاتبة متخصصة في النبيذ والثقافة، تقيم في بيروت، لبنان. تتناول أعمالها مواضيع مرتبطة بالتجربة الجماعية، والهوية كما تنعكس في تفاصيل الحياة اليومية، وزوال الذاكرة وعدم ثباتها. حاليًا، تُعدّ مقالات مصوّرة وتكتب نشرة ثقافية أسبوعية عن لبنان بعنوان “عنب نيوز“.

 

ليست اللحمة بعجين من الأطعمة الفاخرة، بل هي خيار عملي، سريع، ومحبّب.


في لبنان، تُعدّ الصفيحة البعلبكية أشهر أنواع اللحمة بعجين وأكثرها تميّزًا، وهي عبارة عن جيوب صغيرة من اللحم داخل عجينة تُطوى وتُقرص على شكل مربّعات. غالبًا ما ترافقنا هذه الصفيحة كوجبة في الطريق شرق بيروت، وتُعدّ الخيار البديهي لكل من يزور مدينة بعلبك، إحدى أكثر مدن لبنان امتلاءً بالطاقة، في بلد تعاقبت عليه الإمبراطوريات، وسقطت فيه.

 

في صيف ما قبل احتجاجات 2019 والانهيار المالي الكارثي، أخذتُ أصدقائي وأحبّاؤهم الأجانب إلى ملحمة صغيرة قرب فندق بالميرا الشهير في بعلبك. كنت قد زرت المكان ذاته قبل شهر مع صديقتي بيثاني، وهي طاهية، فقررت مشاركته مع “المقرّبين فقط”. في المرتين، شاهدنا اللحم يُفرم، يُقسّم، يُلفّ، ويُقرص، وخلال عشر دقائق، كنا نتناول  كيلوغراماً ساخنًا من الصفيحة على مقعد خشبي مهترئ مقابل المعبد الروماني العريق.

 صفيحة ساخنة على مقعد في بعلبك. حزيران 2019. تصوير فرح برّو.

تتعدّد أنواع الصفيحة في لبنان، وتختلف بحسب العجينة أو نكهة الحشوة، تبعًا للمنطقة والخبّاز. لكنها جميعًا تستند إلى قاعدة واحدة: لحم مفروم فوق أو داخل عجينة الخبز. الصفيحة الجنوبية، وهي دوائر مفتوحة بحجم راحة اليد تشبه المناقيش الصغيرة، هي المفضّلة لدي. قبل أكثر من عشرين عامًا، كانت الطعام الرئيسي في عزاء جدّي في قريتنا بجنوب لبنان. تُقدَّم على صحون كبيرة مع شرائح الليمون وأطباق صغيرة من الملح، لتخفيف وطأة الحزن المصاحب لأصوات التلاوة في مكبّرات الصوت.


لأيام طويلة، تحوّلت تلك الصفيحات المُعاد تسخينها إلى فطورنا وغدائنا وعشائنا، إذ لم يكن أحد يملك الطاقة للطهو. ظننت أنني لن أتناول صفيحة أخرى بعد تلك الفترة، لكنها بقيت الأقرب إلى ذوقي. لاحقًا، وبعد أن خفّ وقع الحزن المرتبط بها، كنّا نتوقّف في طريقنا إلى الجنوب لشراء هذه الأقراص المفتوحة من ملحمة الوفاء في بلدة زفتا. كان تناولها داخل السيارة قبل أن تصبح رطبة داخل كيس الورق مهمّا، والمثالي كان أن تُقرن بلبن عيران بارد أو عبوة بيبسي.

بعد مرور ما يقارب السنة على تفشّي جائحة كورونا، خرجتُ مع والدي من بيروت هربًا من رتابة الحجر الصحي. وفي طريقنا جنوبًا، توقفنا عند “ملحمة جبل عامل” على أوتوستراد صيدا الساحلي، واشترينا منها صفيحات طازجة. كانت مليئة بالحشوة، والمشكلة الوحيدة مع الصفيحة الشهية أنها نادرًا ما تُمنح فرصة لتُصوَّر — لأنك ببساطة لا تصبر على تناولها ساخنة. لكنني أردت أن أتذكّر اسم الملحمة، وأعجبتني الرسوم المطبوعة على الكيس الورقي، فالتقطت صورة سريعة له قبل أن نواصل رحلتنا.

كيس ورقي يحتوي على صفيحة من ملحمة جبل عامل، اشترتها فرح ووالدها خلال رحلة إلى الجنوب هربًا من رتابة المدينة في فترة الحجر الصحي. كانون الأول 2020. تصوير فرح برّو.

في كل رحلة من بيروت إلى الجنوب مع والدي، كنت أتعلّم شيئًا جديدًا عن تاريخ الجنوب. من خلال تلك الملحمة، عرفت أن “جبل عامل” ليس مجرد اسم لمحل، بل أحد الألقاب التي تُطلق على جنوب لبنان. وحين توقفنا يومًا في “الشرق” لشراء الحلويات، تعلّمت عن القرى الشيعية السبع في فلسطين. وفي مرة اضطررنا لتغيير طريقنا والمرور بمسلك بحري في الجية أوصلنا إلى سعديات، فعرفت أن الرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون كان يملك قصرًا قديمًا هناك. ومن هذه المعلومة، تفرّعت إلى معرفة أوسع عن مجزرة الدامور عام 1976، التي لا تزال تُذكّرنا بفظائع الحرب الأهلية اللبنانية. وفي رحلة أخرى مع والدي، أصريت على التوقف عند معبد أشمون شمال شرق صيدا، بعد سنوات من تجاهل اللافتة التي تُشير إليه على الطريق.

 

وكانت المفاجأة أن والدي، رغم عمره وتجواله، لم يكن قد زاره من قبل — ذلك المكان الفينيقي المهجور الذي ما زال يحتفظ بجلاله رغم الخراب.

خلال إقامتها في كاليفورنيا، بحثت فرح عن لحم بعجين أرمني من مخبز أولد ساسون لتخفيف وطأة الحنين إلى الوطن. باسادينا، كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية، ٢٠٢١. تصوير فرح برّو.

في عام 2021، وبعد مرور ستة أشهر على إقامتي المؤقتة في كاليفورنيا، كنت أعيش شعور الغربة بكل ما فيه من وحدة وحنين. قررت أن أقطع مسافة 45 دقيقة لزيارة متحف، لكن الحقيقة أن الدافع الحقيقي كان مخبزًا أرمنيًا قريبًا منه، يشتهر بـ”لماجون” — النسخة الأرمنية من اللحمة بعجين. ورغم أن طعمها لم يكن يشبه طعم البيت، إلا أنها كانت كافية، ومنحتني شعورًا خفيفًا بالدفء والراحة. كانت أفضل ما في تلك الرحلة، خصوصًا وأن صالات المتحف كانت مغلقة في ذلك اليوم.

 

خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل في لبنان، حين بدأنا نفقد القدرة والرغبة في تحضير الطعام، عادت الصفيحة لتتصدر موائدنا مرارًا وتكرارًا — منقولة من مخابز صغيرة قرب منزلنا المؤقت في أعالي بيروت: لقّيس، صفوان، أبو عبدو، وغيرهم. في الأيام التي كان والدي يعود فيها بصواني الورق المليئة بالصفيحة، كنت أفقد العدّ لما أتناوله منها، ونحن نتابع آخر أخبار الغارات والضحايا.

 

أكلنا الصفيحة ونحن نسمع أن مدينة بعلبك بكاملها طُلب منها الإخلاء.
أكلناها ونحن نشاهد المزيد من العائلات تُهجّر.
أكلناها وأمام أعيننا أعمدة بعلبك، التي صمدت أمام الزلازل قرونًا، تواجه الطائرات الحربية وكأنها تستعد لفناءٍ جديد.


أكلنا الصفيحة وراقبنا.

 

عادت اللحمة بعجين لتكون طعام العزاء، الطعم الذي يربّت على الداخل المنهك، الذي يعانق الأحشاء بصمت.الشيئ الوحيد الذي فاقها طعمًا، كان النسخة التي يعدّها والدي في البيت: لحم متبّل بالأعشاب، مفرود على خبز عربي، ومحمّص على شواية صغيرة، إلى جانبه طبق حمص وبطاطا مقلية.

لحم بعجين حضّره والد فرح خلال حرب إسرائيل على لبنان. تشرين الثاني 2024. تصوير فرح برّو.

عندما أكون في المنزل، لا آكل اللحمة بعجين كما أتناولها في السيارة أو من علبة كرتونية بسرعة. بل أحاول خلق “اللقمة المثالية”: مع رشّة ليمون وقليل من الملح.
وإن توفّرت الإضافات، أضيف رشة دبس رمان، مسحة شطّة حمراء، وملعقة لبن إذا لم يكن هناك عيران يرافقها.
بعيدًا عن الشعر، هذه محاولة للحدّ من عدد الصفيحات التي يمكنني التهامها بمفردي بسهولة.  فإذا ما حضّرت كل صفيحة عن وعي، فلن أسمح لشحّ الطعام أن يقرّر شعوري بالشبع العاطفي.


كونها طعامًا يُؤكل جماعيًا، وسط عائلة ذات شهيّة واسعة، يخلق لدي توترًا: هل سأنال حصتي؟
لا زلت أخاف ألّا أجد بقايا الصفيحة التي خبأتها في الثّلاجة، رغم أنّي لا أشارك الثلاجة إلا مع قطتي.

صينية من صفيحة على مائدة إفطار عائلة فرح. آذار 2025. تصوير فرح برّو.

لكن، هذه الحيلة لم تنجح حتى الآن.
أعتقد أنني ببساطة أحبّ دفء الحموضة في هذا الطبق أكثر مما أستطيع مقاومته.

 

في الحرب الأخيرة، دمّرت قريتنا بالكامل على يد الجيش الإسرائيلي.
منزل جدّي، منازل كل أقاربي، وكل أشجار الفاكهة التي كبرنا معها تحوّلت إلى أكوام من الحجارة والتراب.
رفضت إسرائيل الانسحاب من بلداتنا الحدودية، و”منعت” عودتنا إليها.
لسنةٍ وأكثر، أصبح “الوفاء” المكان الذي يذهب إليه والدي وأعمامي جنوبًا، لأنه أقرب ما يمكنهم بلوغه نحو ما تبقى من البيت.

 

بعد أن رأيت بعينيّ مباني بيروت المدمّرة، أيقنت أن مشاهدة العنف على الشاشات وحدها تجعل منه واقعًا منفصلًا.
في شباط، وبعد تمديد المهلة لانسحاب إسرائيل، عدت مع والدي وعمّي إلى قريتنا.
العدوان لا يغرس فيك جذوره إلا حين تراه بعينك، حين تدرك حجم الدمار على اتساعه.

 

وقت كتابة هذا النص، أصبح الدخول إلى القرية مسموحًا لأهلها، لكنها ليست آمنة.
بعيدًا عن الذخائر غير المنفجرة، هناك أيضًا الوجود الإسرائيلي المستمر—مراقبة يومية، وتحديد لأين يمكن للناس الذهاب وماذا يُسمح لهم أن يفعلوا في أرضهم.
الطائرات المسيّرة لا تتوقف عن التحليق، خصوصًا فوق الجدار الحدودي، حيث استولت إسرائيل على شريط من الأرض كمنطقة عازلة بحكم الأمر الواقع.
قبر جدّي، مسجده، مبنى أعمامي، وبعض بساتيننا — كلها تقع داخل تلك المنطقة الممنوعة.


أخشى أن تظل هذه الأراضي، وإن لم تحتلها إسرائيل فعليًا، محرومة منّا أيضًا.
أخشى أن تبقى كما جعلوها: أرضًا قاحلة.
لكنني أحيانًا أتساءل، هل هذه الأرض تحتاج أن تُترك لتهدأ؟ لتُشفي نفسها؟

 

باقي أفراد عائلتي لا بد أن يقودوا السيارة جنوبًا، يتجاوزوا “الوفاء”، ليروا ما تبقّى بأعينهم، ويصدّقوا أن ما فُقد قد فُقد حقًا.
أحيانًا، يخيفني أن يكون ما تبقّى قد يُبتلع من قِبل الكيان الاستعماري قبل أن يتمكنوا من رؤيته.

 

لطالما كانت اللحمة بعجين “الوجبة السريعة” التي تُضمد جروحي، وتُهدّء جوعي، وتأخذني إلى الأمان والراحة— سواء في رحلة إلى بعلبك، على طريق بيروت-الجنوب، في غربتي، أو خلال الحروب.
تعلّمت أن أقدّر هذه الصفيحات كعنصر أساسي في ذاكرتي — طعم علِق في أعماقي، وارتبط بأماكن لم أعد أستطيع الوصول إليها. أماكن تشكّل حجر الأساس لعادات عائلية لم تكن يومًا مخططة، ولإرث جماعي نحمله رغمًا عنا.

 

مرّروا لي الملح، من فضلكم.

Farrah Berrou

Farrah Berrou is a wine & culture writer based in Beirut, Lebanon. Her work explores themes of collective processing, identity as it relates to the everyday minutiae, and the impermanence of memory. Currently, she creates video essays and writes a weekly Lebanese culture newsletter,Aanab News.

احدث المقالات

Fann w Fenjein: Michel Maouad

  Michel Maouad’s “Good Thing We Cleaned the Stairs”:  Beauty in the Mundane Experience  Foreword: I had the chance to

Fann w Fenjein: Queer Falafel

Fann w Fenjein: Queer Falafel On bodies, borders, and the politics of refusal Foreword: Queer Falafel does not perform to

1. Sfiha

SFIHA History   Sfiha holds a special place in the Levant (and in my heart). You’ll commonly hear the terms

اقرا المزيد

عندما يصبح الأمان مسؤولية فردية

“لا أشعر بالأمان الكامل حتى أصل إلى وجهتي”، بهذه الكلمات تلخص زينب تجربة العديد من النساء مع وسائل النقل العام، إذ أغلبهن يواجهن مخاوف مماثلة