قطع طريق الحرير: حلب وماردين في الذاكرة"

مقدمة:  في آذار 2020، انطلقت ميا شوحا في رحلةِ ثلاثة أشهر إلى جنوب شرق تركيا. زارت ميا المدينة القديمة في ماردين والمواقع المحيطة التي كان أجدادها يسكنونها منذ حوالي قرن. كانت قد سمعت خلال نشأتها قصصاً عن أصولها من عائلة كلدانية-آشورية معروفة من ماردين ونصيبين، وأملت في استكشاف هذا التاريخ بشكلٍ أعمق. قضت الخطّة الأصلية بالسفر عبر هذه المناطق لمدّة أسبوعين، لكن الرحلة تحوّلت إلى مغامرة أشهرٍ ثلاثة، مع إغلاق الحدود التركية بسبب جائحة الكوفيد. وزّعت شوحا وقتها بين دير الزعفران للسريان الأرثوذكس ودار سكن كنيسة مار هرمز الكلدانية في ماردين القديمة. وكونها كانت قد قضت وقتاً في مدينة حلب، موطن والدها، قبل زيارتها لماردين، كان من الصادم التفكير في الطرق التي كانت تربط عبر التاريخ بين هذه المناطق والمدن السورية الكبرى في الجنوب. يتجلّى التفكّك في المنطقة بشكلٍ واضح، ولا يسع المرء إلّا أن يبحث عن آثار المدن القريبة مثل حلب في ماردين. خلال هذه الفترة، عاشت ميا كما عاش أجدادها وتعرّفت على المجتمع الصغير وأصداء الماضي التي لا تزال باقية.

منظر سهول الجزيرة باتّجاه سوريا، بالقرب من الجامع الكبير (تاريهي أولو جامع) في ماردين. الصورة بإذن من ميا شوحا.

عند النظر إلى المسافات البعيدة من المدينة القديمة في ماردين بتركيا، والموجودة على قمّة تَلٍّ مُطلٍّ على سهول الجزيرة التي تمتدّ إلى شمال شرق سوريا، يأسر الجمال الأنظار. يتّضح بشدّة لماذا كانت هذه الأراضي موضوعاً للصراعات والحروب باسم الجيوش والإمبراطوريات المتنافسة. اليوم، تمتدّ منطقة الجزيرة التي غالباً ما تُعرف باسم «بلاد ما بين النهرين العليا»، بين جنوب شرق تركيا وشمال شرق سوريا وأجزاء من شمال العراق. تُعرَف هذه المنطقة بأنها مهد الحضارة، وكانت مركزاً للثقافة والتعلّم خلال العصور القديمة والعصور الوسطى. اليوم، شوارع ماردين القديمة الحجرية تعجّ بروحٍ قديمة وقداسةٍ تشهدان على العديد من الحضارات التي مرّت بها. إنها مدينة اللغات، حيث يمكنك سماع التركية والعربية والكردية والسريانية في مسافة نصف ميلٍ فقط.


من المؤلم أن نرى كيف أنّ أراضي الجزيرة، بحدودها التركية-السورية، والتي ترتبط بتاريخٍ مشترك، قد قُسّمَت الآن بفعل الحروب والانقسامات المتجذّرة في التصميمات الاستعمارية والاستراتيجيات الجيوسياسية. في وقتٍ ما، كانت المدن التركية مثل عينتاب وأورفا وديار بكر وماردين مرتبطة بالمدن السورية مثل حلب ودير الزور والمدن الأخرى في الجنوب بواسطة طرق تجارية نشطة. كانت هذه المدن مراكز تزدهر فيها المجتمعات المتنوّعة والتجارة من خلال الخانات والأسواق التي تتّصل بنهر الفرات وما بعده. على النقيض من ذلك، نجد الحدود السورية التركية اليوم مجزّأةً ومقسّمةً بشكلٍ حادّ.

ماردين، مدينة الحصون بشوارعها الحجرية الكلسية المتدفقة. الصورة بإذن من ميا شوحا.

على الجانب الآخر من الحدود مع ماردين في سوريا، تقع مدينة حلب القديمة. عند ذكر اسم حلب، تتبادر في ذهن العديدين مشاهد الحرب السورية المستمرّة منذ العام 2011. صور الدمار والتهجير والقصف والقذائف المتساقطة على ميدان قتلٍ مقسّم ومحاصر، تُسيطر على أذهان كثر. لكن بالنسبة لبعضٍ آخر، حلب تمثّل الوطن.
بقايا المدينة القديمة، والأسواق الحجرية المتعرّجة، والمباني التاريخية مثل فندق البارون الشهير وخان الوزير، تشهد على مكانتها السابقة كمحطّةٍ رئيسية للتجّار والمسافرين والمُبشّرين في طريقهم بين آسيا والبحر الأبيض المتوسط. كان صدرها الرحب يحتضن الأرمن والآشوريين الذين فرّوا من الاضطهاد خلال الإبادة الجماعية عام 1915 التي ارتكبها نظام «الشباب الأتراك» في الإمبراطورية العثمانية. بالنسبة لكثيرين، تُعَد حلب نافذةً إلى ماضٍ منسيٍّ الآن، ومكاناً للجوء ومتحفاً لمنطقة كانت أقلّ تجزئةً في الماضي.

تمثّل مدينتا حلب وماردين وجهَين لمنطقة حدودية تحمل ذكريات لماضٍ كان متّصلاً ذات يوم.

خريطة الجزيرة تظهر التقسيمات الإدارية في أواخر العهد العثماني والحدود التي تمّ ترسيمها بعد اتّفاقية سايكس بيكو. من تصميم ميريديث سادلر لكتاب «جراد القوة» لصمويل دولبي (مستخدمة بإذن). ترجمة آدم عبد اللطيف.

حلب وماردين وبزوغ الحداثة

 

بالقرب من مدينة ماردين في جنوب شرق تركيا، يقع دير الزعفران المعروف أيضاً باسم دير مار حنانيا بالسريانية. يطلّ الدير على سهول الجزيرة باتّجاه الحدود السورية في منطقة تور عبدين الثقافية السريانية، وهي هضبة تتناثر فيها القرى السريانية التي تمتد حتّى الحدود التركية العراقية، حيث تتّصل بالمجتمعات الآشورية المسيحية في العراق. تُسمع هناك اللغات السريانية والعربية أكثر من التركية. كان الدير مقرّاً للكنيسة السريانية الأرثوذكسية من عام 1160 حتى 1932، وقد بُني فوق أنقاض معبد يعود إلى عام 4500 قبل الميلاد. كان المعبد مكرَّساً لإله الشمس في بلاد ما بين النهرين، شمش، الذي كان يُعبَد في جميع أنحاء منطقة بلاد ما بين النهرين القديمة. على الرغم من تحويله من معبد وثني إلى دير، يحتفظ دير الزعفران  ببعض التكريم للإله الوثني، عبر ضمّه 365 غرفةً، واحدة لكلّ يوم من دورة الأرض حول الشمس.

دير الزعفران المطلّ على سهول الجزيرة والحدود السورية. الصورة بإذن من ميا شوحا.

ساحة دير الزعفران. الصورة بإذن من ميا شوحا.

إلى جانب المجاورة واللغات المشتركة والتاريخ، تبقى هناك دلائل أخرى على الروابط مع سوريا. طبعَ الديرُ تاريخياً كتباً باللغة العربية والسريانية والتركية باستخدام مطبعة تمّ شراؤها من إنجلترا في العام 1874 وأُرسلت إلى ماردين عبر حلب. عند دخول الكنيسة العُلوية، يجد الزائر مذبحاً ثانياً مزيّناً بزخارف جدارية بالسريانية. توجد هناك ستارة قديمة منقوشة بروايات كتابية عن حياة يسوع وموته، كانت تُستخدم في الكنيسة الرئيسية للدير. هذه الستارة القديمة التي صُنعت في حلب وجُلبت إلى ماردين للعبادة، تجسّد الروابط العميقة التي كانت تربط ماردين والجزيرة الكبرى بحلب.

ستارة منقوشة بسرديات توراتية عن حياة يسوع، صُنعَت في حلب وأُرسلت إلى دير الزعفران للمصلّين. الصورة بإذن من ميا شوحا.

بالرغم من أنّه يُنظَر بالغالب إلى حلب اليوم بحسب علاقتها بمدن أخرى من بلاد الشام الأخرى، إلّا أنّها– في القرنَين السادس عشر والسابع عشر، تحت الحكم العثماني– كانت تحتلّ مكانةً اقتصاديةً وجغرافيةً مختلفة، قائمة بذاتها. كانت دمشق وبيروت تبعدان أكثر من أسبوع بواسطة القوافل، على طرق كانت أقلّ اتّصالاً ممّا نعرفه اليوم. كانت حلب جزءاً من إيالة، المنفصلة عن دمشق وبيروت، والتي ضمّت مدناً مثل عينتاب وكيليس في شمالها، وميّزتها عن بقيّة بلاد الشام أوزان ومقاييس وأسعار محلّية مختلفة. كانت الحرف اليدوية تشكّل أكبر قطاع من إنتاجها، وتمتّعت بموقع تجاري مهيمن بين آسيا وأوروبا بفضل دورها كوسيط للتجارة. غالباً ما منح الكُتّاب المستشرقون الفضل الزائد لأوروبا في ثروة حلب، مشيرين إلى القنصليات الأوروبية التي أُنشئت في حلب خلال هذه الفترة. في الواقع، كانت أوروبا هامشية في قصّة تراكم الثروة هذه. وقد ازدهرت بالطبع صناعة الأقمشة الفاخرة في حلب بفضل القوافل التي كانت تحمل الحرير من إيران عبر طرق تجارية تربط مدن الجزيرة.

 

يذكر أوليا جلبي، المستكشف في الحقبة العثماني، كيف كانت لماردين أهمّية إضافية في مرور الحرير، حيث كانت تقع مباشرة على طريق حلب. توثّق الأرشيفات العثمانية من هذه الفترة الأطعمة القابلة للتصدير من الجزيرة، وكيف كانت ماردين معروفة بإنتاج البرقوق والفواكه الأخرى التي تنمو على الأشجار، بالإضافة إلى المكسّرات والعسل، والتي كانت تثري المطبخ الحلبي الشهير، مثل طبق الكبة السفرجلية وطبق كباب الكرز. كانت ماردين مشهورةً أيضاً بإنتاج صوف الموهير من ماعز الأنغورا الذي يعيش في سهول الجزيرة. ولكن الأهمّ كان جوزة العفص التي كانت تُستخدم في صناعة الحبر والصباغة، وكانت تشكّل أساساً رئيسياً لهذه العلاقة الاقتصادية المتينة. تنمو جوزة العفص على أوراق شجر البلوط التي تملأ المساحات الطبيعية. كان شعر وجلد الجمال من وادي الفرات حيوياً لإنتاج حلب من المنتجات الجلدية، وكذلك الفلفل والتوابل من جنوب وشرق آسيا التي كانت تمرّ عبر نفس الممرّات.

 

بسبب تدفق الفضّة من مستعمرات إسبانيا في المحيط الأطلسي، ارتفعت أسعار السلع العالمية في أواخر القرن السابع عشر، ما أدّى إلى تحوّلات كبيرة في إيقاعات التجارة الإقليمية، تأقلمت معها كل من حلب والجزيرة بشكل ملحوظ. في بداية القرن الثامن عشر، وبسبب الشركات الإنجليزية والهولندية المُساهمة المُشتركة التي كانت تلتفّ حول الممرّات التجارية لبلاد الشام، توقّف تقريباً وصول التوابل. كذلك، دمّرت الحروبُ الإمبراطوريةُ بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية صناعةَ الحرير الإيرانية في العام 1722. تمكّنت حلب من تعديل مصادر الحرير بسرعة من أنطاكيا ولبنان وأماكن أخرى، الأمر الذي يُبرز مرونة صناعتها الحريرية ويُشير إلى إعادة التوجيه نحو بلاد الشام. ظلّت العلاقات التجارية مع الجزيرة قويّة، بفضل التدفّق المستمر لجوزة العفص من ماردين لصباغة الأقمشة. على الرغم من أنها كانت أقلّ قيمةً من نظيرتها الإيرانية، إلّا أن إنتاج الحرير السوري استفاد من زيادة الطلب الأوروبي في أواخر القرن الثامن عشر، ما وسّع الروابط الاقتصادية للمدينة مع منطقة الجزيرة.

 

في عام 1756، تسبّب شتاءٌ قاسٍ بشكلٍ خاص بتدمير الإنتاج الغذائي في ضواحي حلب، وتأثّرت الجزيرة بالقدر نفسه. تدريجياً، أخذ النبلاء المحليون يتصرّفون كرأسماليين، وزادوا من حدّة الأزمات مثل المجاعة التي تلت ذلك في العام 1757، من خلال سحب ثروات كبيرة عبر الإيجارات والفوائد وحجب الحبوب لتحقيق أرباح من النقص المُصطنع. كما حبس المرابون الجشِعون عدداً لا يُحصى من الفلّاحين الريفيين في مستويات ديون فظيعة، ما أدّى إلى هجرتهم من حقولهم. لتخفيف الأزمة، قامت السلطات الإمبراطورية والإقليمية بإعادة توطين ضواحي حلب بالفلّاحين والقبائل شبه البدوية من أصل تركماني وكردي من منطقة الجزيرة. وهكذا تغيّر وجه المنطقة استجابةً لهذه الأزمة، وتأثّرت ثقافة حلب ولهجتها ومطبخها المتنوّع بتلك التأثيرات القادمة من الجزيرة. تمكّنت الصناعات المحلية من البقاء، حيث كان على التجّار الأوروبيين (على الرغم من تمتّعهم بامتيازاتٍ تجارية، مُنحت لهم عبر الحماية الحقوقية من خارج الإقليم وعبر المعاهدات الدبلوماسية)، أن يتنافسوا مع التجّار المحليين الذين كانوا يفوزون بالغالب، ما يشير إلى أن الاقتصاد المحلّي لم يكن قد أصبح هامشياً بعد، كما صار عليه في القرن التاسع عشر.

كنيسة مار هرمز الكلدانية في ماردين. الصورة بإذن من ميا شوحا.

إعادة تشكيل المنطقة

 

في الأشهر الأولى من عام 2020، فتحت كنيسة مار هرمز الكلدانية مكتبتها القديمة وكشفت عن مجموعة من المخطوطات المُهملة المكتوبة بعدّة لغات، منها العربية، اللاتينية، الفرنسية، الإيطالية، وحتى الفارسية. رتّب هذه المجموعة مؤرّخ وزميل زائر وأعدّ فهرسها، في غرفة الاجتماعات العلوية للكنيسة خلال ذلك العام. حتّى اليوم، يُعتبر العمل التاريخي والأرشيفي ذا قيمة في كشف الروابط مع سوريا. على سبيل المثال، أشار أحد الكتب إلى كليمنت جوزيف ديفيد، رئيس أساقفة السريان الكاثوليك في دمشق من عام 1879 إلى 1890. تضمّنت هذه المجموعة العديد من الكتب الموقّعة كملكية لأفراد من أكبر العائلات الكلدانية، بما في ذلك عائلة شوحا. كان من بين هذه الكتب أطلس يعود إلى لوسي شوحا، ويبدو أنه يسجّل أسماء أفراد آخرين من العائلة على الغلاف الأمامي. كما تضمّنت المجموعة رسالةً مكتوبةً بالفرنسية إلى عائلة أودو، عائلة رئيس أساقفة الكلدان الحالي في حلب، من شخصٍ يُدعى جان شوحا في دير الزور في العام 1930. تحدّث حارس الكنيسة بفخر عن كيفية السفر بسهولة إلى حلب بالسيارة قبل الحرب في سوريا، رغم وجود الحدود. اليوم، الطرق القليلة الممكنة للوصول من حلب إلى ماردين هي الطيران إلى إسطنبول، عبر بيروت، ثم متابعة الرحلة برّاً أو جوّاً.

كتاب عن المطران كليمان جوزيف دافيد، رئيس أساقفة دمشق للسريان الكاثوليك (1879-1890)، يتضمّن صورته ومساهماته. الصورة بإذن من ميا شوحا.

أطلس الجغرافيا الخاص بـ لوسي شوحا (1830)، مع أسماء العائلة على الغلاف. الصورة بإذن من ميا شوحا.

ملاحظة بالفرنسية كتبها جان شوحا إلى عائلة أودو، كتبت في عام 1930. الصورة بإذن من ميا شوحا.

في القرن التاسع عشر، نفّذت الإمبراطورية العثمانية سلسلةً من الإصلاحات المعروفة بالتنظيمات، في عصرٍ ازداد فيه التغلغل الأوروبي. شملت هذه الإصلاحات تقنين الملكية الخاصّة، وإنشاء هياكل جديدة للإدارة الإقليمية والإمبراطورية على غرار القوى الأوروبية، وضمان المساواة الرسمية وحقوق المواطنة للمسلمين وغير المسلمين على حدّ سواء. كما فتحت هذه الإصلاحات الإمبراطورية أمام الاستثمار الرأسمالي الأوروبي. غمرت السلع الرخيصة المصنّعة المستوردة من أوروبا أسواق حلب، بينما كانت صادرات الإمبراطورية العثمانية تتكوّن من الموادّ الخام لأوروبا الصناعية. تراجعت الأراضي الزراعية في حلب بعد سنوات ازدهار تصدير القطن خلال الحرب الأهلية الأميركية، بينما بدأت الشركات الأوروبية بناء السكك الحديدية عبر الإمبراطورية. زادت السيطرة الأوروبية مع تشكيل إدارة الديون العثمانية في العام 1881، كي تتمكّن السلطنة العثمانية من تسديد ديونها الهائلة التي دعمت بناء السكك الحديدية، لصالح الشركات الأوروبية.

في منطقة الجزيرة، نقلت السلطات الحدود الإدارية بشكل متكرّر لـ«احتواء» السكّان المتنقّلين وإعادة توطين البدو والقبائل الكردية. كان جمع الإيرادات من هذه المجموعات التي تتجاهل الحدود تحدّياً كبيراً. في ظلّ التغيّرات الحدودية الجديدة والتبدّلات المكانية، طالب نبلاء ماردين بفصل مدينتهم عن ديار بكر والانضمام إلى منطقة الزور في الجنوب في سوريا الحديثة. برّروا ذلك بالإشارة إلى أن اللغة الأكثر شيوعاً في ماردين كانت لهجة عربية، على عكس الكردية أو التركية العثمانية كما هو الحال في شمال ديار بكر. لم يتحقّق هذا المطلب أبداً. بالإضافة إلى ذلك، رافق تراجع الإمبراطورية العثمانية أعمال عنف باسم الإسلام التركي والقومية التركية ضدّ السكان الأرمن والآشوريين واليونانيين. تضمّنت هذه الأحداث المجازرَ الحميدية (1894-1896) والإبادة الجماعية للأرمن (1915-1924). يُقدَّر أن نسبة المسيحيين في تركيا انخفضت من قُرابة 20٪ في العام 1874 إلى قُرابة 2٪ بحلول العام 1924. خلال الإبادة الجماعية الأرمنية، أصبحت دير الزور ورأس العين في الجزيرة مدينتَين رئيسيّتَين لترحيل الأرمن والآشوريين بهدف قتلهم. خلال هذه العقود، طُهّرَت المدن الجنوبية في تركيا، بما في ذلك ماردين، من سكّانها المسيحيين التاريخيين. تقلّصت الحيوية الثقافية والاقتصادية للمنطقة، وكان من الأمثلة على ذلك تفتّت صناعة النسيج تقريباً، في ديار بكر، بسبب موت ونزوح الأرمن الذين كانوا يهيمنون على هذه الحرفة.

بعد هزيمة الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى وتطبيق اتّفاقية سايكس بيكو، أصبحت ماردين وحلب تحت السيطرة الاستعمارية الفرنسية. خلال هذه الفترة، أعادت حلب توجيه هويّتها واتّصالاتها نحو المدن التي سوف تصبح شقيقتها، في الجنوب، في ما أصبح مركزاً رئيسياً للنشاط القومي السوري. أكّدت معاهدة لوزان هذا الوضع في العام 1923، إذ رسمت حدوداً جديدةً بين سوريا وتركيا، ما قسم الجزيرة إلى نصفين وقطع الروابط المباشرة بين ماردين وحلب. كما منحت المعاهدة الدولة التركية الناشئة عفواً عن التطهير العرقي الذي ارتكبته خلال تكوينها، بحقّ الأقليات العرقية. الناجون من بين الأرمن والآشوريين الذين استقرّوا في حلب (والعديد منهم ينحدرون من ماردين ومدن أخرى في الجزيرة)، مُنِعوا من العودة. السكك الحديدية التي تعود إلى أواخر العهد العثماني، مثل سكّة حديد قونية-بغداد الألمانية التي كانت تسعى لربط ماردين بحلب، أصبحت نادرة الاستخدام، وارتبط ذلك بشكلٍ كبير بالعلاقات العدائية بين الدول الثلاث التي تمرّ عبرها. كان تهميش وتقسيم الجزيرة من الجانبين السوري والتركي قد اكتمل.

ذاكرة الأسلاف في الحاضر

 

من على أسطح ماردين اليوم، يمكن رؤية السهول الشاسعة التي تمتدّ نحو الحدود السورية وما بعدها، ما يجعل أهوال الحرب تبدو بعيدة بأشواط. اليوم، ماردين القديمة غير معروفة نسبياً؛ مشهدٌ آسرٌ للسياح، وقشرةٌ سطحية من ماضيها التاريخي، وذلك نتيجة موجات التهميش الاقتصادي والتجزئة الإقليمية المتعاقبة، سعياً وراء المصالح الجيوسياسية والقومية. وبالمثل، أصبحت حلب في سوريا الحديثة منفصلة عن المدن الشقيقة في الجزيرة. المجتمعات التي نزحت بسبب تشكيل الحدود الوطنية، بما في ذلك الآشوريين والأرمن، عانت من صدام بين العنف التاريخي والنفي من الجزيرة، والعنف الجديد والنزوح الناجم عن الحرب الحالية في سوريا. قلّما ينظر الناس إلى الروابط التاريخية، حيث تلاشت هذه الذكريات أمام احتياجات البقاء اليومي.

في وضعية ما بعد الحرب في حلب، محاولات الحفاظ على إرث هذه المجتمعات قد تتحقّق من خلال إعادة التواصل مع المدن عبر الحدود. لكن هذه الجهود تواجه تحدّيات، حيث يبقى المشهد السياسي في سوريا منقسماً وتحت رحمة الاحتلال التركي المتزعزع في الشمال.

على الرغم من هذه الأنماط المستمرّة من التجريد، يعاود إرث هذه الروابط الإقليمية الظهور، أحياناً، كما في إعادة تسجيل الأغاني الشعبية مثل «جيراني هلا هلا» التي غنّاها فنّانون، بينهم الموسيقي السوري الكردي آري جان: «على طريق الجزيرة، قفزت من القطار. على طريق دمشق، قفزت من القطار». وهكذا، تظلّ ذاكرة هذا الارتباط حيّة، حتى لو كانت فقط من خلال الرَمنسة والتوق المثالي للوحدة الإقليمية.

ماركو روبرتس

كاتب وباحث ناشئ يعيش بين فيلادلفيا وسياتل. يدرس حالياً للحصول على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف في التاريخ من كلية سوارثمور، مع تركيز على تاريخ الرأسمالية والاستعمار والقومية في غرب آسيا. يهتم بشكلٍ خاص بالاقتصاد السياسي للهوية المجتمعية والعنف، وتأريخ حركات الطائفية ومناهضة الطائفية في المشرق، بالإضافة إلى التاريخ السياسي والزراعي لمنطقة الجزيرة. ماركو من أصول صينية من جهة والدته وقد نشأ في بكين. أدّت خلفيته هذه إلى اهتمامه بالدور الجيوسياسي التاريخي والحالي للصين في المنطقة أيضاً. نُشرت كتاباته في صحيفة الحرم الجامعي لكلية سوارثمور،«سوارثمور فينيكس».

ميا شوحا

ميا شوحا كاتبة صاعدة من أصول سورية-أسترالية تعيش في سيدني. باحثة في مرحلة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي والأنثروبولوجيا، وتحمل درجة الشرف في العلوم السياسية والاقتصادية والاجتماعية من جامعة سيدني. يتركّز بحثها الحالي على الأنثروبولوجيا الاقتصادية للأزمات في لبنان وسوريا، مع التركيز على التنمية الاقتصادية، وصراعات القوى، والعقوبات، والتاريخ الحديث للزراعة والبيئة والصناعة في كلا البلدين.يتركّز بحثها الحالي على الأنثروبولوجيا الاقتصادية للأزمات في لبنان وسوريا، مع التركيز على التنمية الاقتصادية، وصراعات القوى، والعقوبات، والتاريخ الحديث للزراعة والبيئة والصناعة في كلا البلدين.أكملت مؤخّراً برنامج الإرشاد الكتابي «StoryCasters» لعام 2024، ونُشرت أعمالها في مجلة «Daftar» التابعة لمبادرة «Afikra»، ومجلة الاقتصاد السياسي الأسترالية، و«Aniko Press».

احدث المقالات

حين يصبح الطعام لغةً للحزن

طَق، طَق، طَق. سكين يفرم البصل بخفة وسرعة. بْلُب، بْلُب، بْلُب. الماء يغلي، معلنًا أن القدر بدأ يفور. سسسسس حادة

اقرا المزيد

عندما كانت المرأة تُعبد في بلاد الشام

ختم أسطواني أكادي قديم يصور الإلهة إنانا وهي تضع قدمها على أسد بينما يقف نينشوبر أمامها ويؤدي التحية، (حوالي 2350-2150 قبل الميلاد). تصوير سايلكو على

LGBTQ+

Unleashing (Queer) Economic Liberation in Lebanon

In 2018, the annual International Women’s March in Lebanon brought together a diverse group of individuals who passionately advocated for gender equality. March 2018, Beirut,