في السادس من أيار، بدت ساحة المرجة في دمشق كأي يوم عادي. حركة المرور مستمرة، والمارة يعبرون الساحة من دون ما يشير إلى ذكرى ارتبطت بهذا المكان قبل أكثر من مئة عام. لا مراسم رسمية، ولا عطلة عامة، ولا حضور واضح لعيد الشهداء الذي شكّل لعقود جزءًا من المشهد العام السوري.
في هذه الساحة نُفذت الإعدامات التي أمر بها أحمد جمال باشا عام 1916 بحق مجموعة من السوريين واللبنانيين. ومن تلك الإعدامات اكتسب هذا التاريخ مكانته في الذاكرة الوطنية بوصفه يومًا للشهداء ورمزًا لمقاومة الحكم العثماني.
لكن غياب مناسبة وطنية بهذا الحجم عن التقويم الرسمي يطرح اليوم سؤالًا يتجاوز العطلة نفسها: ماذا يعني إخراجها من الروزنامة الرسمية للدولة؟
لم يكتسب هذا اليوم مكانته الرمزية بمجرد وقوع الإعدامات عام 1916، بل عبر مسار طويل من التراكم السياسي والثقافي. فمع صعود الحركات القومية العربية، أصبح تاريخ إعدام عدد من الناشطين والمثقفين العرب في دمشق وبيروت رمزًا يتجاوز الأشخاص الذين طاولتهم الأحكام، ويرتبط بسرديات الاستقلال والتحرر.
وبحلول عشرينيات القرن الماضي، كانت الذكرى قد بدأت تترسخ في الوعي العام، قبل أن تُكرَّس لاحقًا بوصفها «عيد الشهداء». وهكذا انتقلت من حدث تاريخي محدد إلى تقليد سنوي راسخ، يتكرر عبر الطقوس الرسمية والاحتفاء الشعبي.
«ذاكرة لا تُلغى». ساحة المرجة في دمشق. تصوير حسام جليلاتي.
لم يرتبط عيد الشهداء بنظام سياسي واحد، بل سبق جميع الأنظمة التي حكمت سوريا الحديثة. فمنذ سنوات الاستقلال الأولى، حظي هذا اليوم بمكانة خاصة بوصفه جزءًا من السردية الوطنية المرتبطة بالنضال ضد الحكم العثماني، وأصبح من المناسبات التي تحييها الدولة بصورة دورية.
ومع وصول حزب البعث إلى السلطة، استمر إحياء الذكرى رسميًا، لكن ضمن سردية أعادت ربط الشهداء بتاريخ الدولة وخطابها السياسي. وكما حدث مع مناسبات أخرى، أعادت السلطة تأويل الحدث بما ينسجم مع روايتها عن تاريخ البلاد.
ورغم اختلاف السياقات السياسية، ظل هذا التاريخ حاضرًا في الفضاء العام بوصفه أحد التواريخ الراسخة في الذاكرة الوطنية. ولهذا، فإن غيابه اليوم لا يُقرأ فقط بوصفه تعديلًا إداريًا، بل باعتباره تغييرًا يطال رمزًا حافظ على حضوره عبر مراحل مختلفة من تاريخ الدولة السورية.
لم يكن اختفاء عيد الشهداء من قائمة العطل الرسمية هو ما أثار النقاش فحسب، بل غياب تفسير واضح لهذا التغيير أيضًا. فبعد عقود طويلة من ترسخها في الوجدان الوطني، أُلغيت العطلة المرتبطة بها بموجب المرسوم رقم 188 لعام 2025، من دون أن تقدم السلطة الانتقالية تفسيرًا تفصيليًا لأسباب هذا القرار.
وربما يعود جانب من الجدل إلى أن هذه المناسبة لم تُنظر إليها، بالنسبة إلى كثير من السوريين، بوصفها إرثًا تابعًا للنظام السابق، بل بوصفها جزءًا من تاريخ وطني أوسع من أي نظام سياسي . فقد ارتبطت في الوعي العام بتاريخ الاستقلال وبشخصيات قُدمت بوصفها رموزًا للنضال الوطني أكثر مما ارتبطت بسلطة بعينها.
ولهذا أثار القرار انتقادات واعتراضات في أوساط سورية مختلفة، فيما فتح الصمت الرسمي المجال أمام قراءات وتأويلات متعددة حول دوافعه ومعانيه.
كما أعاد طرح أسئلة أوسع حول دور الذي يمكن أن تلعبه السلطات الانتقالية في إعادة ترتيب الذاكرة الرسمية للدولة، وحدود قدرتها على مراجعة رموز وتواريخ ارتبطت بالوجدان لأجيال متعاقبة.
فإلى أي مدى يمكن إعادة صياغة التقويم الوطني من دون نقاش عام يسبقها أو يرافقها؟ وهل يؤدي تغيير التقويم الرسمي إلى تغيير الذاكرة العامة، أم أن الذاكرة تحتفظ بمسارها الخاص بعيدًا عن قرارات الدولة؟
يكشف الجدل الذي رافق إلغاء عيد الشهداء عن فجوة قديمة بين الذاكرة التي تنتجها الدولة والذاكرة التي تتشكل داخل المجتمع. فالتقويم الرسمي لا يقتصر على تنظيم العطل والمناسبات، بل يعكس أيضًا تصور السلطة للتاريخ وللأحداث التي تستحق أن تُمنح مكانة رمزية في المجال العام.
غير أن بقاء حدث ما في الذاكرة لا يرتبط دائمًا ببقائه في التقويم الرسمي. فكثير من الرموز والتواريخ تستمد حضورها من تداولها الاجتماعي والثقافي أكثر مما تستمده من الاعتراف الرسمي بها.
وبين الذاكرة التي ترعاها الدولة والذاكرة التي يحملها الناس، تتحدد في كثير من الأحيان قدرة الرموز الوطنية على الاستمرار أو التراجع. لذلك قد يكون السؤال المطروح اليوم أقل ارتباطًا بقرار الإلغاء نفسه، وأكثر ارتباطًا بما إذا كان هذا التاريخ ما يزال يحتفظ بالمكانة التي منحته إياها الأجيال السابقة.
ربما لهذا السبب تحديدًا بقيت ساحة المرجة حاضرة في النقاش الدائر حول السادس من أيار. فالأماكن، بخلاف التقويمات الرسمية، لا تُعاد كتابتها بسهولة. وعلى الرغم من التحولات السياسية التي شهدتها سوريا خلال العقود الماضية، ظل اسم الساحة حاضرًا في الرواية المرتبطة بإعدامات عام 1916، بوصفها أحد المواقع التي منحت الحدث معناه التاريخي.
وقد وصف المؤرخ الفرنسي بيير نورا مواقع كهذه بـ«أماكن الذاكرة». ومن هذه الزاوية، تبدو المرجة أكثر من مجرد موقع تاريخي؛ فهي تمثل جسرًا بين الماضي والحاضر، وبين ما تسجله الدولة في سرديتها الرسمية وما يحتفظ به الناس في ذاكرتهم الخاصة.
لذلك قد يكون بقاء المكان في الوعي العام أحد أسباب استمرار النقاش، حتى بعد خروج المناسبة من قائمة المناسبات الرسمية.
وبعد مرور أكثر من قرن على إعدامات 1916، ما زال الجدل قائمًا حول معنى هذا التاريخ ومكانته في الحياة العامة السورية. وقد يكون هذا الجدل بحد ذاته دليلًا على أن الذاكرة لا تتحرك بالسرعة نفسها التي تتحرك بها القرارات الرسمية. فبعض المناسبات قد تغيب عن التقويم، لكنها تواصل حضورها ما دام هناك من يتذكرها، أو يعود إلى الأماكن التي شهدتها، أو يعيد طرح الأسئلة التي نشأت منها.

حسام جليلاتي
حسام جليلاتي صانع أفلام وكاتب سوري. تشمل أعماله الإخراج والكتابة والبحث البصري، وينشغل بأسئلة الذاكرة والهوية والعلاقة بين الإنسان والمكان، وبالتحولات السياسية والاجتماعية وما تتركه من أثر في التجارب الفردية والجماعية.









