الحديقة السرّية: كيف غيّر حرش بيروت نظرتي للمدينة والنباتات
كان صيف عام 2014 أول مرة في حياتي أدخل فيها حرش بيروت.
في كل زيارة له منذ ذلك الوقت، يراودني دائمًا شعورٌ غريب، كأن في المكان شيئًا غير مألوف.
لطالما سمعت عن حرش بيروت من مصادر مختلفة: والدتي، مثلًا، كانت تحكي لي أنهم كانوا يحتفلون بالعيد هناك عندما كانوا صغارًا.
لكنني كنت أسمع أيضًا عن أحداث عنف حصلت فيه خلال الحرب الأهلية.
وفي عام 1982، خلال الاجتياح الإسرائيلي لبيروت، أحرقت قوات الاحتلال ثلاثة أرباع أشجار الحرش.
ومنذ ذلك الحين، وحتى بعد نهاية الحرب، بقي الحرش مغلقًا، بحجّة “إعادة التشجير والصيانة“.
أبقته البلدية مغلقًا بذريعة أن الناس “لا يعرفون كيف يعتنون به“.
كبرت وأنا أسمع قصصًا عن ضرورة الحصول على إذن خاص لدخول الحرش، وحتى إن حصلت على الإذن، كان عليك أن تكون من فئة عمرية معينة، أو أن تحمل جواز سفر أجنبي… شروط جعلت من الدخول أمرًا شبه مستحيل.
احقًا، وبعد حملات ضغط كبيرة، اضطرت البلدية إلى إعادة فتح حرش بيروت.
وفي صيف 2014، علمتُ أنهم سيفتحونه لأيام قليلة.
عندما دخلته لأول مرة، لم أفهم أين أنا.
كان المشهد غير واقعي.
كيف لهذا أن يكون ممكنًا؟
كنت أرى المدينة من الداخل، من مكان بدا لي طوال سنوات كأنه فجوة سوداء على خارطة بيروت.
شعرتُ أن جسدي يفعل المستحيل بمجرد وجودي هناك.
في عام 2015، أعيد فتح الحرش بشكل أكثر ديمومة، لكن طبعًا مع مجموعة قواعد غريبة.
ومع ذلك، حصل ذلك الفتح، وبدأت فكرة “المساحة العامة” تتسلل إلى خيالي تدريجيًا.
كنت أحاول التفكير في علاقتنا، نحن البشر، مع كل ما هو “غريب“—كيف أن هذا الشعور الغريب يرافقنا في حياتنا اليومية.
دخولي إلى حرش بيروت غيّر نظرتي للمدينة.
كنت أراها، وما زلت إلى حدّ ما، مدينة إسمنتية.
فيها قسوة في المعمار، وعشوائية في التخطيط، وغياب لأي بُعد حضري متوازن.
لكن حين دخلت حرش بيروت، لم يتوافق المشهد أمامي مع صورة بيروت في ذهني.
تبدّلت نظرتي.
تحولت إلى شخص مهووس بالنباتات داخل النظام الحيوي للحرش.
عندما خرجت من الحرش، بدأت ألاحظ نباتات المدينة.
كانت موجودة بكثرة، لكن مهملة وغير منظّمة.
مواقف سيارات يحيط بها نبات بري، شرفات تتدلّى منها أغصان، نباتات تنمو من شقوق الأرصفة… كنت أراها في كل مكان.
بدأت ألتقط صورًا لها.
وكلما نظرت إليها أكثر، ازداد شعوري بأنها غريبة.
أصبحت أطرح أسئلة عن هذه النباتات، وجمعت رسومًا نباتية توضيحية.
ومع مرور الوقت، بدأت أراها ككائنات قادمة من عالم آخر، تغزو المدينة ببطء.
من هنا نشأت فكرة فيلمي “الحديقة السرّية”.
أنهيت العمل عليه عام 2023، وبدأت أتخيل سيناريوهات تدور في نسخة من حرش بيروت، ظلّت مغلقة لسنوات طويلة، لدرجة أنها طوّرت منظومة نباتية وحيوانية خاصة بها، لم تمسّها يد إنسان.
تخيلت أن جميع نباتات بيروت نشأت من هذه “الحديقة السرّية”.
تعاونت مع كارين ضومط، الكاتبة المشاركة والمحررة لفيلم “الحديقة السرية”، لنُركّب الفيلم استنادًا إلى هذا التوتر بين توثيق النباتات في بيروت والسرد الخيالي لحديقة سرية تنفجر في يومٍ ما وتبعثر نباتاتها في أرجاء المدينة
وفي لحظة الانفجار هذه، يبدأ الناس بطرح الأسئلة عن هذه النباتات الغريبة.
يتتبع الفيلم رحلة شخصيتين تحاولان فهم أصل هذه النباتات ومحاولة الكشف عن حقيقتها.

سيغولين راغو
سيغولين راغو مصورة فرنسية لبنانية مقيمة في بيروت. تستكشف مشاريعها طويلة الأمد الشباب، وذاكرة الأماكن، وكيف تُشكّل الأزمات والحرب الحياة اليومية في لبنان.










