هذه الصورة تبدو، في آنٍ معاً، كريمة وحميمة — مائدة ممتلئة بالفواكه والخبز والحلويات والقهوة، وحديث ما بعد الغداء الدافئ. أي ذكرى أو شعور كنتِ تأملين استحضاره عند التقاطكِ لهذه الصورة؟
بالنسبة لي، هذه هي الرقة بعينها. أكثر أشكال الارتباط عمقاً تحصل حول مائدة فيها دبس خروب، وقهوة، وفاكهة من حديقة البيت.
في الجنوب، أصدقائي وأنا نكون في بيوتنا عادةً قبل السادسة مساءً، تماماً في الوقت المناسب لجلسات ما بعد الظهر تحت شجرة الصفصاف. لا نتكلّم أثناء تحضير المائدة — نعرف سلفاً كيف يجب أن تكون “العصرونيّة”. هذا الانسجام يعكس الألفة التي ورثناها، فنحن نتحرّك بسهولة في المطبخ، لأن هذه اللغة من المحبّة انتقلت إلينا عبر الأرض والعائلة.
في هذه الصورة، الصحون والفناجين تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وكانت تملكها جدّتي، تيتا نِمريّة. على الطاولة آثار أيادٍ كثيرة: حلويات جلبها زوّار سابقون، فواكه من حديقتنا ومن القرى المجاورة، تين جففته والدتي، دبس الخروب الذي يشربه والدي كل صباح، وقهوة “نجّار” برغوتها التي ستُقسم بالتساوي — كل ذلك يغمره ضوء ما بعد الظهر. المكان مُهيّأ للجلوس، للهدوء، للانتماء إلى هذا الفضاء الذي نسمّيه “البيت”.
كنت أرغب في دعوة الآخرين إلى هذا الإحساس. هذه الصورة، بالنسبة لي، تجسّد لغة محبّة تعود إلى أجدادنا. أن نحافظ على هذه اللغة، أن نستمر في استخدامها بين الأصدقاء والأحبّة، أن نختارها على غيرها — هو أمر يحمل من الحنان ما لا يُقال.
كما نرث سلوكيات أهلنا، نرث أيضاً هذه اللغة. وعندما نقول “أحبك” بلغة مغموسة بالإرث، فإننا نُضفي عليها عمقاً آخر. أي أن هذا الحب يحمل ذاكرة، يحمل مكاناً وزماناً، ويقول: أحبك كما أحبّ قومي قبلي، وبذات الطريقة. أحبك من خير الأرض، بصحونها وكلماتها، بحروف العناية التي نشأت منها لغتنا.
غالباً ما تلتقطين في أعمالك آثار الحياة اليومية، التفاصيل المهمَلة، والشخصيّ العميق. كيف تتقاطع الصورة البصرية للطعام، بوصفه موضوعاً عاطفياً، مع ممارستك الفنية الأوسع؟
حين بدأت الحرب، تركت بيروت وعدت إلى الجنوب. كنتُ في بداية إدراكي لمدى هشاشة الفرح تحت الاحتلال، وكيف يمكن أن نُنتزع من أرضنا بسهولة.
بعد أشهر من التصوير، لاحظت أن معظم ما التقطته بكاميرتي كان صوراً للطعام: ضيافة شراب الورد و”إكّة ديني” عند جدّتي، بطيخ من مرجعيون في طريقنا إلى سجد، خالتي نورة تدقّ الزعتر على عتبة دارها، وسلّة بيض بلدي من عمّتي صفيّة. حينها فهمت أنني أحاول توثيق الطعام كعرضٍ من المحبّة — كحنان يتجاوز الحرب ويصمد في وجهها، خصوصاً في الجنوب.
ولم يكن ذلك فحسب، بل إن هذا الحنان هو أيضاً من أصدق موارد الأرض. أن نزرع بذرة، نعتني بها، نحصدها، نفرح بها، نحولها إلى طبق، ثم نقدّمه لغيرنا — هذه سلسلة حبّ لا تنتهي، تجعل من الأرض ممارسة يومية للرعاية، وللارتباط بمن حولنا جيلاً بعد جيل.
خلال الحرب، كثيراً ما فكّرت في مدى استعدادي الشخصي للالتحاق بالمقاومة المسلحة لو وصل الاحتلال إلى قريتي. كلّ ذلك لأتمكّن، بكل ما فيّ، من العودة إلى المائدة التي تُعدّها أمّي لنا — هذه المائدة بالذات، في هذه الصورة، في هذا المساء.
وكتبتُ يومها: لهذه المعركة أفق. وفي الأفق، أرى أمي تنخل السماق في الصباح الباكر. القهوة على النار، وهي على وشك أن توقظني. أريد أن أبقي هذه الصورة واضحة. هذه المعركة لها أفق.
هذه الصورة هي غلاف عددنا الورقي الأول، وهو عدد يتمحور حول الطعام — كذاكرة ومقاومة ورعاية. في حياتك الشخصية، ما الدور الذي يلعبه الطعام؟ وما الطبق أو النكهة التي تشعرين بأنها “البيت”؟
حين بدأت الحرب في الجنوب، هربنا من نجمة الصبح قرب قانا، ووصلنا إلى إهدن. تغيّر نظامنا الغذائي جذرياً. توقفنا عن أكل اللحم، وطبخنا بما هو متاح.
في إحدى الليالي، فاجأتنا أمّي بطبق “كِبّة بطاطا”، محضّر من مكونات ارتجالية جمعتها بعد فشلها في العثور على برغل خشن وبهارات الكبة الأصلية. قالت لي: “يعني بنت عمّا!” — أي أنها فعلت كل ما بوسعها لتمنحنا طعماً من البيت الذي لا نستطيع العودة إليه.
كانت تلك المرة الأولى التي أبكي فيها على طبق طعام.
بدأت أفهم أن الطعام ليس فقط موضوعاً، بل وعاءً. يحمل في داخله الحزن، والرعاية، والمقاومة، والذاكرة. هو الوسيلة التي عبّر بها الناس عن محبتهم لي: رز على دجاج من حبيب يعرف كم أفتقد طبخ أمّي، سندويشات لبنة من أصدقاء يعرفون أنني لا أتناول الفطور، برتقال وجرجير جُمع خصيصاً من خيام لأجلي.
حين يُقدَّم الطعام بمحبة، يتحوّل إلى لغة حنان. ويخلق احتمالاً لنشوء علاقة حميمة.
حين عدنا إلى البيت بعد شهرين من الحرب، كانت شجرة التين قد ماتت. بعد أسابيع، زرع والدي شجرة جديدة. تلك الحركة وحدها كانت كافية لتقول كل شيء.
في آب، تُنشر التينات لتجفّ تحت الشمس، ثم تُخلط بالسمسم في يدي أمي. يدرك والدي أن أول فطور ستُعدّه أمي لي عند عودتي سيكون طبق مربى التين، إلى جانب جبنة بلدية من عند أم حسين. يعرف أن هذا، بالنسبة لي، هو طعم البيت.

رباب شمس الدين
رباب شمس الدين مصوّرة فوتوغرافية وشاعرة لبنانية، تعيش بين صور وبيروت. حاصلة على منحة من برنامج التصوير الوثائقي العربي (2025)، بدعم من مؤسسة آفاق بالتعاون مع مؤسسة ماغنوم وصندوق الأمير كلاوس. ظهرت أعمالها فيWe Call to the Eye & the Night: Love Poems by Writers of Arab Heritage(2023, Persea Books)، وNew Work War Crimes: Land Day Edition(2025)، وعددحتى النصرمن مجلةDiscontent(2025)، وشاركت في معرض "يا رايح عالجنوب" (تموز 2024) بالتعاون مع مركز بيروت للفن.
تركّز أعمالها على العلاقات الحميمة والمُهمّشة بين الإنسان والأرض، وتنسج مواضيع الحب والفقدان والبحث عن البيت من خلال احتضان الاثنين معاً. مشروعها المستمر "بس قرّب موسم الرمّان" (2024–حتى الآن)، يوثّق الحياة اليومية في جنوب لبنان، حيث تشكّل الأرض والطقوس المشتركة أساساً لمقاومة النسيان والاحتلال.









