«فَنّ وفنجان»: يال سولان"

في هذا العدد من «فَنّ وفنجان»، جلسنا مع الفنّانة اللبنانية يال سولان التي نجحت في بناء مسيرة فنية تمزج بين التقليد والحداثة بأفضل الطرق.

يـال سولان، مغنية وكاتبة أغاني وشاعرة، تستعيد ذكرياتها كطالبة هادئة اكتشفت شغفها بالموسيقى خلال سنوات الجامعة. الصورة بإذن من يارا بصيبص في توتا بيروت.

هل يمكنكِ أن تقدّمي نفسكِ؟

اسمي يال سولان. أنا مغّنية وكاتبة أغاني وشاعرة كما أنّني مصمّمة جرافيك ورسّامة أنيميشن من حيث المهنة. بالإضافة إلى ذلك، أعمل كعارضة أزياء وفنّانة صوتية. أعتقد أنّ هذه الألقاب تكفي في الوقت الحالي!

 

ما الذي دفعك إلى متابعة الغناء؟

منذ صغري، كنت الفتاة الخجولة الهادئة التي تجد ملاذاً في الاستماع إلى مُشغّل الأقراص المدمجة الخاص بها، وتلك التي تجد راحةً في متابعة المغنّين على شاشة التلفاز. لطالما كانت الموسيقى جزءاً لا يتجزّأ من حياتي، رغم أنّ عائلتي وبيئتي لم تكن لهما أي علاقة بهذا العالم. لم يخطر ببالي يوماً أن أسعى وراء الغناء.

 

في المدرسة، كنت الطالبة المتميّزة في الرياضيات، ولكن في داخلها، كانت تختبئ فنّانة. وبعدما اخترت دراسة التصميم الجرافيكي في الجامعة، انضممتُ بالصدفة إلى جوقة الجامعة، ومن هنا بدأت رحلتي الموسيقية. كنت أترقّب بشغف الجزء من اليوم الذي أذهب فيه للتدريب مع الجوقة، كنت أشعر بحماس يفوق حماسي للحصص الدراسية. وقعتُ في حب الغناء، وخاصّةً موسيقى الباروك الكلاسيكية في تلك الفترة. ولكن طبعاً: الحياة؛ اضطررتُ أن أبحث عن وظيفة بعد التخرّج. عملت لمدّة عامين في الشركات، قبل أن أبدأ العمل بشكلٍ مستقلّ، ولكن كما يقولون: «تترك وظيفة التاسعة إلى الخامسة، وتنتقل للعمل على مدار الساعة». كنت أعاني كي أجد الوقت لهذا الشغف الذي بدا بعيد المنال.

تحولت كلمات يال من كتابة الشعر في الدفاتر إلى تطويرها إلى مزيجها المميز من البوب الوجداني والإيقاعات الشرقية. الصورة بإذن من يارا بصيبص في توتا بيروت.

حتّى الآن، مطاردتي للموسيقى جعلتني أهرب من ضغوط الرأسمالية وجمود الروح الذي يصاحبها. لكنّني أدركت أنّ هناك دفاتر مليئة بقصائدي التي تناديني كي أُلقيها، وألحان تنتظر أن تتحقّق في أغانٍ. والوقت ينقضي.

 

بالنسبة لي، الغناء هو الحرية. هو وسيلة لمشاركة سحر الحياة بروح متَفتّحة. انتقلت من شخصٍ يعيش وفق ما هو متوقّع منه، إلى شخصٍ ينحت طريقه الخاص، شخص يشعر بالحياة ويصنع الموسيقى ليوقظ هذا الشعور بالحياة في نفوس الآخرين أيضاً.

تقف يال عند تقاطع التقليد والتمرد، لتحدد مسيرتها المهنية بشجاعة وفقًا لشروطها كموسيقية. لقطة من فيديو كليب “لحالي” بإذن من يال سولان.

كيف كانت ردود الفعل من حولك تجاه اتّباعك مسار مهنيّ غير تقليدي؟

 

حسناً، عائلتي مثلاً لا تدرك تماماً ما أفعله. دائماً يقولون لي: «نحن لا نفهم ماذا تفعلين، لكنّنا فخورون بك». بعضهم يعبّر عن قلقه المالي بسبب عدم استقرار هذا المسار المهني مقارنةً بما يعرفونه. وبعضٌ آخر يبدي مخاوف تتعلّق بالأمان، بناءً على ما يعرفونه عن الوسط الفني «في الأيّام الخوالي». وهناك من يتجنّب الحديث عن الموضوع تماماً!

 

لكن أكثر ما يثير اهتمامي هو تفاعل شخص محدّد من عائلتي، لا سيّما وأنّها تمارس تديّناً عميقاً، لكنّها مستقلّة للغاية في تفكيرها. لطالما كنت مقرّبة منها، ثم أخذت أعرض عليها مقاطع فيديو لأدائي، في بعضها أكون في حاناتٍ مثلاً، وفي بعضها الآخر أرتدي ملابس مكشوفةً، لكنّها دائماً تشجّعني: «أنتِ تتحسّنين باستمرار في ما تفعلينه. لطالما عرفتُ أنّك مميّزة». أما أصدقائي، فهم بالطبع داعمون جدّاً. وهناك بعض الأشخاص الذين عرفوني منذ سنوات عديدة ويشعرون بالدهشة الآن، ولا ألومهم على ذلك! الأمر الطريف هو أنّني سمعت كثيراً تعليقات مثل «من أين أتى كل هذا الصوت؟».

تعزف سولان على وعاء غنائي تبتي وهو عنصر أساسي في صوتها المميز “Soul Fusion”. لقطة من فيديو كليب “لحالي”. الصورة بإذن من يال سولان.

كيف تصفين نمط الموسيقى التي تؤلّفينها؟

 

أسمّيه «Soul Fusion»، هذا الوصف الأقرب لما أقدّمه حالياً. موسيقاي هي مزيج من الغناء الروحي والشعر المحكي مع تنوّعٍ موسيقي يعكس جذوري وإلهاماتي، بالإضافة إلى تداخل الأصوات وتناغمها. كما أنّ هناك لمسة من الموسيقى العالمية، حيث استلهمتُ كثيراً من الثقافات التي أثّرت فيّ موسيقياً وروحياً.

في أغنية «Silent Fireworks»، استخدمت ناياً إيرلندياً، وفي عروض الحفلات الحية، استعنت بعازفي الهاندبان، كما استخدمت وعاء الغناء التبتي الخاص بي خلال الحفلات الموسيقية وفي أغنية «لحالي».

مؤخّراً بدأتُ أتعلّم العزف على «الديدجيريدو»، وهي آلة موسيقية أسترالية تقليدية. أحببت هذه الآلة لأنّها تربطك بأنفاسك وبالذبذبات الداخلية في جسدك. واستخدامها في العروض الحيّة مع الفرقة يخلق تجربةً فريدةً للغاية.

تستكشف موسيقى يال مواضيع تحقيق الذات والروحانية والمشاعر الإنسانية العميقة، معبرة عنها بطرق تتجاوز الحوار العادي. لقطة من فيديو كليب “لحالي”، بإذن من يال سولان.

ما هي المواضيع التي تسعين إلى استكشافها من خلال فنّك؟

 

المواضيع التي أتناولها في موسيقاي تنبع دائماً من أعماق تأمّلي الداخلي. بما أنّني أميل بشكلٍ كبير نحو الروحانية، فأكتب كثيراً عن تحقيق الذات وطاقة الأنثى الإلهية وعظمة الكون. كما أنّني لا أغفل المشاعر الأرضية والإنسانية مثل الحسّية الصريحة والحب والانكسار.

هذه المواضيع ليست بالضرورة جزءاً من المحادثات اليومية وهذا ما يدفعني للتعبير عنها من خلال الموسيقى. فالموسيقى هي الطريقة الأروع بحقّ لنقل الإحساس العميق الكامن خلف هذه المشاعر إلى الآخرين.

تشكل أغنية “لحالي”، أول أغنية ليال سولان باللغة العربية، محطة مهمة في مسيرتها الفنية. تكرم جذورها الثقافية من خلال التحكم الكامل في الإبداع ككاتبة وملحنة. لقطة من فيديو كليب “لحالي”. الصورة بإذن من يال سولان.

بدأت مسيرتك الموسيقية بالغناء باللغة الإنجليزية، ولكنّك بدأت مؤخراً في دمج المزيد من اللغة العربية في أغانيك وعروضك. هل يمكنك إخبارنا بالمزيد عن هذا التحوّل؟

 

بدأت مسيرتي الموسيقية بالكتابة والغناء باللغة الإنجليزية، لكنّني شعرت على الدوام أنّ شيئاً ما كان ينقصني. في الوقت ذاته، لم أشعر أنّني مستعدّة بعد للغناء باللغة العربية. أعتقد أن السبب يعود جزئياً إلى أننا نشأنا في ظل ثقافة مستوردة. كل شيء كان ولا يزال باللغة الإنجليزية: الأفلام والموسيقى والبرامج التلفزيونية. في الوقت ذاته، لم أشعر أنّ الموسيقى العربية التجارية تمثّلني بشكلٍ حقيقي، ولم أكن أجد نفسي فيها. لكنّني الآن في مهمّة لصنع موسيقى تعكس حقيقتي وتعكسنا كأفراد. وأدركت أنّ تحقيق ذلك يتطلّب منّي تقديم موسيقى بلغتي الأم. لذا، أنا الآن في رحلة لإعادة اكتشاف لغتي الأم على مستوى أعمق ومحاولة التعبير عن نفسي من خلالها.

 

على سبيل المثال، كانت أغنية «لحالي» أوّل أغنية أكتبها باللغة العربية بالكامل. ولدهشتي، جاءت الكلمات بسهولة وبشكلٍ طبيعيّ تماماً. 

 

تغوص أغنية “لحالي” في موضوعات الوعي الذاتي والسلام الداخلي، حيث تؤكد كلمات يال سولان على أهمية العزلة والنمو الشخصي كاستجابات ضرورية للتحديات في عالم سريع التغير. الفيديو بإذن من يال سولان على يوتيوب.

. «لحالي» تركّز على أهمية اتّخاذ بعض الوقت للعزلة والاعتناء بالنفس والوعي الذاتي. هذه مفاهيم بدأ جيلنا بتقبّلها، ونحن محظوظون بأنّنا ندرك قيمتها في هذا الزمن. أؤمن بأنّه مع هذا التقدّم في الحداثة، نحن نتطوّر أيضاً في عوالمنا الداخلية، وهنا تأتي موسيقاي لتعبر عن هذه الرحلة.

 

في إطار التوازن بين التقليد والحداثة، أصبح عالمنا المعاصر أكثر تطلّباً، وأعتقد أن المواضيع التي نتناولها في كتابة الأغاني يجب أن تعكس هذا العصر والاحتياجات التي تنبثق عنه

تستكشف أغنية “Toss and Turn” تعقيدات الأنوثة، وتتحدى دورة التشييء والمعايير المجتمعية المفروضة على النساء. الفيديو بإذن من يال سولان على يوتيوب.

ما الذي ألهمك لكتابة أغنية «Toss and Turn»؟

 

تتناول الأغنية موضوع التحرّر من القيود والديناميات التي تُقَيّم المرأة بناءً على مظهرها الخارجي وحسب. كنت أتمعّن بمسألة تسليع النساء، وكيف أنّها سلوك يورث عبر الأجيال، ما جعلني أفكّر في الطريقة التي تربّت بها والدتي وجدّتي وجدّتي الكبرى كزوجاتٍ للعرض فقط؛ تمّت تنشئتهنَّ على الطاعة والاهتمام بالمظهر وإرضاء الآخرين، وقد اتُّخذَت قرارات حياتهنَّ نيابةً عنهنَّ. بعضٌ منّا قد يتعلّم حتّى أن يخون ذاته ليحظى بالقبول والمحبّة. أردت أن أخرج من هذه الدوّامة.

 

رغم وجود تقاليد عزيزة، إلا أنّ هناك معايير اجتماعية تتطلّب من المرأة أن تهمل نفسها وتخون ذاتها كي تشعر بالانتماء. عنوان الأغنية «Toss and Turn» يعكس هذه الدورة السامّة التي تنتقل من جيلٍ لآخر، والتي يجب علينا كسرها. حتّى أنني تناولت في كلماتي مفهوم الزمن والجمال: «هل أنا مثل الساعة الرملية، أخدع الزمن لكي أدوم». 

 

تهدف الأغنية إلى التأكيد على أننا، كنساء، أكثر من مجرّد أجساد أو أدوار يتوقّعها المجتمع منا. الأغنية مليئة بالصور الأنثوية القوية، لأنّني أخيراً أشعر بالتواصل مع أنوثتي، خاصّةً بعد فترة طويلة كنت أنفر فيها من المفهوم التقليدي للأنوثة بسبب الدلالات التي ألصقها به المجتمع. في فيديو الأغنية، قدّمنا مظاهر متنوّعةً، أحدها كان داكناً جدّاً ليعكس القوة في الأنوثة. غالباً ما ترتبط الأنوثة بالنعومة والرقّة والحب، لكنّها تحمل أيضاً قوّةً داخليةً جبّارةً.

اكتسبت يال سولان شهرة في العالم العربي من خلال أدائها لأغنية “شو أوريجينال”، وهي شارة مسلسل “صالون زهرة”، بالتعاون مع مرشدها مايك ماسي. الفيديو بإذن من مايك ماسي على يوتيوب.

من هم الفنّانون الذين تستلهمين منهم؟

 

مصدر إلهامي الأكبر حتّى الآن كان المبدع مايك ماسي، ليس فقط من خلال موسيقاه، بل أيضاً لأنّه كان مرشداً قيّماً لي منذ البداية.

 

تامينو يلهمني بروحه العميقة وكيف يدمج ببراعة جذوره العربية في موسيقاه. أورورا بدورها تلهمني، بهويّتها الفريدة وكيف تعكس نشاطها الاجتماعي في أعمالها الموسيقية.

 

وألهمتني كذلك سيفداليزا وسابرينا كلاوديو وپوم… ولا أنسى بالطبع زيد حمدان بمرونته وعبقريّته في الإنتاج، ولين أديب بمهارتها الصوتية المذهلة، والتعاون المبدع بينهما!

يال سولان فنانة متعددة المواهب، توازن بين شغفها باليوغا والدفاع عن البيئة وإدارة مسيرتها الموسيقية بشكل مستقل. الصورة بإذن من يارا بصيبص في توتا بيروت.

من هي يال خارج إطار الغناء؟

 

إذا كنت سأعرّف نفسي بشيء آخر، فسأقول إن يال هي يوغية. في نهاية اليوم، ستجدني أمارس اليوغا، أرقص، أو أمارس التمارين الرياضية. أنا روح فضولية جدّاً، دائمة البحث عن طرق أعمق للوجود كإنسانة. أحب قضاء الوقت في الطبيعة، أنا نباتية (فيغان) وأشعر بشغفٍ كبيرٍ تجاه البيئة. أنا أيضاً شخص يعمل بجد. عندما لا أمارس نشاطي الفنّي، ستجدني مشغولة بالردّ على رسائل البريد الإلكتروني، وإدارة نفسي، بالإضافة إلى إدارة فرقتي، وتحضير قوائم الأغاني وحجز الحفلات، وتقديم العروض، ومتابعة العلاقات العامة. لا أعتقد أنّ هذا ما يتخيّله الناس عن حياة الفنّان، ولكن هذه هي الحقيقة عندما تدير نفسك بنفسك. في نهاية اليوم، كل هذا يستحقّ العناء.

 

ما هي المشاريع التي تثير حماسك في المستقبل القريب؟

 

أتابع حالياً أعمالاً أصليةً جديدةً كجزء من ألبومي الأول. لقد كان هذا الحلم قيد التحضير لفترة طويلة، لكنّي فضّلت أن أمهله الوقت الكافي لنضوجه. سأقوم بإصدار بعض من هذه الأغاني بشكلٍ منفرد، مثل فتات الخبز اللذيذة التي تقودنا نحو الألبوم.

 

كما أنني متحمّسة للغاية للتعاونات المقبلة مع منتجين موسيقيين من مختلف أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. لقد أُتيحت لي الفرصة للتعرّف على موسيقى إثنية جميلة على طول الطريق. كما أنّ العمل مع منتجٍ يتمتّع بأسلوبٍ مختلفٍ تماماً عن خلفيّتي كان تجربةً ملهمةً للغاية، ولا أستطيع الانتظار لمشاركة ما يتمّ تحضيره!

احدث المقالات

Fann w Fenjein: Beirut Black Cat

In this new experimental format of Fann w Fenjein, we get candid with Beirut Black Cat also known as Karim

اقرا المزيد

Samir Kassir Award: Mohamad Chreyteh

Interview translated from Arabic to English by Cendrella Azar. On June 5, 2023, Al Rawiya had the chance to be present at the Samir Kassir