أتخيّل أنّ التقليد والحداثة هما في رقصةٍ أبدية، حيث تتغيّر أدوارهما مع تغيّر إيقاع الموسيقى. فعندما تتدفّق معلومات جديدة، سواء من خلال التعرّض لثقافات أخرى أو من خلال الأبحاث المستحدثة، تُصبح الأعراف والتقاليد محل تساؤل وإعادة نظر. ومع ذلك، لا يمكن دائماً أن تكون تحرّكات هذا المدّ والجزر متناغمة. ففي بعض الأحيان، يتصادم التقليد والحداثة. يمكن رؤية واحدة من أوضح تجليات الموضوع في كيفية تواصل الناس وما يكشفه ذلك عن القيم الثقافية التي يتبنّونها. ومع تغيّر طبيعة وأغراض التفاعلات مع الآخرين، تتغيّر أيضاً الروابط التي تربطهم بهم. فبينما كانت المحادثات تتركّز في السابق على بناء العلاقات والحفاظ على السلام الظاهري فيها، فإنّها تركّز الآن أيضاً على التعبير الشخصي وحرية الفكر.
1915 – تتحدث امرأتان عربيتان في محادثة ذات سياق عالي، حيث تعتمد التواصل على الفهم الثقافي المشترك والإشارات غير اللفظية. الصورة جزء من مكتبة قطر الوطنية. مكتبة الكونغرس.
الثقافات عالية السياق مقابل الثقافات منخفضة السياق
تقليدياً، تُعتبر المجتمعات العربية من الثقافات عالية السياق، إذ يعتمد التواصل فيها بشكلٍ كبير على السياق بدلاً من المحتوى لنقل الرسائل أثناء التفاعلات. يتمّ تشجيع التواصل غير المباشر والضمني. على الجانب الآخر، تُصنَّف المجتمعات الغربية غالبًا كثقافات منخفضة السياق، حيث تميل التفاعلات إلى أن تكون أكثر مباشرة وصراحة، مع التركيز بشكلٍ أكبر على المحتوى بدلاً من السياق. تجدر الإشارة إلى أن هذه التصنيفات عامة، وهناك تباينات كبيرة في أساليب التواصل بين منطقة وأخرى. تعتمد هذه الاختلافات على عدّة عوامل، منها الموقع، سواء كان ريفياً أو حضرياً، والقيم الثقافية مثل تجنّب العار والتعبير عن الذات. تتأثّر مجالات عديدة بهذه الفروق، مثل مواضيع المحادثة، وأسلوب اللباس، والوضعية، وتكوين العلاقات، وسيتمّ استكشاف هذه الجوانب من خلال النظر في أسلوب التواصل والقيم الثقافية وانتشارها الإقليمي.
حوالي 1898 – 1914 – تقوم نساء بدويات بتحضير الوجبات معًا، مما يعكس الطابع الجماعي والبنية الاجتماعية للمجتمعات الريفية العربية، حيث تعزز الأنشطة المشتركة التقاليد الثقافية والتماسك الاجتماعي. الصورة من قسم الصور التابع لمستعمرة أمريكا (القدس). مكتبة الكونغرس.
ترابط الهوية في المناطق الريفية وكيف تتشابك مع القيم الثقافية
في بلاد المشرق، يظهر التواصل عالي السياق بوضوح في المناطق الريفية والقرى، حيث تكون المجتمعات أكثر تماسكاً وجماعيةً. في هذه المجتمعات، يُعرف الشخص ليس فقط بإنجازاته أو شخصيته، بل بإنجازات وشخصية أسلافه، الذين يُعتبر امتداداً لهم. تعتمد الصورة الفردية على المكانة الاجتماعية للعائلة ككل. على سبيل المثال، عندما أقابل شخصاً جديداً في الحي، يكون السؤال الأول الذي يُطرح علَي: «بنت مين إنتِ؟»، وإن لم يُحقّق هذا السؤال تفاعلاً معرفياً لدى السائل، يسألون عن أجدادي، وهكذا. الناس في القرى يعرفون بعضهم جيّداً، لأنهم لا يمرّون بنفس معدل التغيّر الديمغرافي كما في المناطق الحضرية. لا تُحدّد المنازل بالموقع الجغرافي فحسب، بل بالعائلة التي تنتمي إليها. أثناء وقوفي على شرفة جدّتي المطلّة، سألتها عن فيلا جميلة على قمّة الجبل المقابل لنا. توقّعت أن أسمع رأيها. بدلاً من ذلك، أخبرتني من هم أصحابها ثم سردت لي قصّة حياتهم.
الوصول السهل إلى المعلومات الشخصية عن أي شخص في المنطقة، يؤدّي إلى إعطاء الأولوية لتجنّب العار والسعي للحصول على الرضا. تظهر هذه القيم الثقافية بشكلٍ واضح في سن مبكرة جداً. عندما يوبّخ والدٌ طفله على سلوك معين، يكون السبب ببساطة لأن «عيب»، وعندما يمدحه، يُتبع ذلك عادةً بعبارة «بيّضتلنا وجنا». تعكس مقولة جدتي هذه المشاعر بشكل مثالي. تقول: «صيتك ثم صيتك ثم صيتك ثم صحتك»، والتي تتُرجم تقريباً إلى «سمعتك تسبق صحتك».
1905 – تقوم نساء فلسطينيات بطحن القهوة، وهو تقليد مركزي في الثقافة العربية يبرز قيم الضيافة والاحترام وروابط المجتمع. يُعد هذا النشاط جزءًا أساسيًا من التجمعات الاجتماعية، مما يعكس أهمية الأنشطة الجماعية. صورة من شركة Keystone View. مكتبة الكونغرس.
تأثير تجنب العار والسعي للحصول على القبول على أسلوب التواصل
يلعب تجنّب العار وسعي الحصول على القبول دوراً كبيراً في تشكيل أسلوب التواصل. يظهر هذا الميل من خلال استخدام الكلام الغامض، الذي يترك مجالاً للتفسير ويخفّف من الخوف من الحكم السلبي. ينجح هذا الأسلوب لأنه إذا وُوجِه بالنقد، يمكن تفسيره على أنه سوء فهم، فالعبارة الغامضة تكون قابلة لإعادة التفسير.
خذ على سبيل المثال حالة الضيوف الذين يطيلون البقاء في المنزل. في ثقافة عالية السياق، لن يعبر الشخص بشكل صريح عن رغبته في أن يُترك وحده. بدلاً من ذلك، سوف قدّم إشارات تلميحية تشير إلى ذلك. خلال النهار، يُعتبر تقديم القهوة والفاكهة علامة على أن الزيارة تقترب من نهايتها. في الليل، يكون التعبير عن التعب أو التثاؤب بشكل مفرط إشارة إلى أن الوقت قد حان ليعود الضيوف إلى منازلهم. في معظم الأحيان، يفهم الناس هذه الإشارات ويستجيبون لها بشكل مناسب. عند مغادرتهم، يظهر المضيفون مستغربين وحزينين، قائلين أشياء مثل: «الآن؟ لا يزال الوقت مبكراً! ابقوا قليلاً». في بعض الأحيان، قد لا يلتقط الضيوف هذه الإشارات، وقد يفسّر المضيفون هذا الفهم الخاطئ على أنه قلّة ذوق. في حالات نادرة، قد يشعر الضيوف بالإهانة من هذه الإشارات الضمنية، ويفترضون أنّ المُضيفين يشعرون بالملل أو التعب من صحبتهم. قد يردون بعبارات مثل: «الهيئة تعبتوا»، وهذا يكون إشارة للمضيفين لطمأنتهم بأنّهم لا يتعبونهم، بينما يشعرون داخلياً بالمرارة تجاههم. بالطبع، هذا ممكن لأنّ المضيفين لم يعبّروا بشكلٍ مباشر عن رغبتهم في مغادرة الضيوف. في ثقافة منخفضة السياق، ستكون نية المضيفين معبَّراً عنها بشكل صريح، ولن يأخذ الضيوف الأمر بشكل شخصي.
تشير هذه التفاعلات إلى مهارة، بل الأحرى إلى تحريفٍ معرفي، يعزّزهما ثقافة تجنّب العار والسعي للحصول على القبول: قراءة الأفكار. الرسالة الضمنية هي أنّ راحة الآخرين تسبق راحتك، وأن وضع الحدود هو حدّ لا يجب تجاوزه. الاتّجاه الذي يسود التقاليد التي نتمسك بها هو إعطاء الأولوية للراحة المفترضة للآخرين، حتى لو كان ذلك يتطلب إهمال الذات. في نهاية المطاف، نحن نعيش لإرضاء الآخرين، ومسايرتهم، وتكرار ذلك. لذا، عموماً، لكي تكون مقبولاً في المجتمع، يُتوقَّع منك أن تظهر مستوىً عالياً من التوافق مع الاحتياجات غير المعلنة للآخرين، وأن تضمن أن احتياجاتك الخاصّة تظل غير معلنة. ومع ذلك، يشكل هذا تحدّياً مع ظهور العولمة والتحضّر والهجرة والوصول إلى الإنترنت في بلاد المشرق، حيث تساهم هذه العوامل في نقلةٍ كبيرة، بعيداً عن أسلوب التواصل التقليدي عالي السياق.
الفتيات في بيئات مريحة يجمعن بين القيم التقليدية والحريات الشخصية الحديثة، مما يعكس التغيرات المتطورة في المجتمعات العربية المعاصرة. صورة من تصوير كينغا هوارد على موقع Unsplash.
التغلّب على العار في المحادثة
مع تسارع وتيرة حياتنا وتزايد تنوّع الأشخاص فيها، يصبح الإيجاز والوضوح ضروريين لتكوين العلاقات والحفاظ عليها. بالنسبة لي، القادمة من بيئة يتعارض فيها التعبير عن الذات مع الشعور بالانتماء، كان العثور على مجتمعات يمكن أن يتعايش فيهما هذان العنصران معاً أمراً يشبه الخيال. كان أوّل تعرّض لي لهذه المجتمعات في بيروت، ثم وجدتها أيضاً في عمّان، ودبي، والقاهرة. هناك العديد من المساحات التي يمكن فيها للأقليات التعبير عن أنفسها بحرية من دون الخوف من النبذ الاجتماعي. ينضمّ الناس إلى مجتمعات معينة من خلال التجمعات أو الفعاليات أو الأندية، ويبقون فيها بالاختيار بدلاً من ضغط الالتزام الاجتماعي. فهذه المجموعات تقوم على الشمولية بدلاً من الحصرية التي عايشتها في المناطق الريفية. كان هذا واضحاً من خلال الفرق في جواز المواضيع الحوارية، ووضعيات الجسم، واختيارات الملابس، على سبيل المثال لا الحصر.
في المجتمعات التقليدية، يمكن أن تتضمن مواضيع المحادثة الإنجازات الأكاديمية، النجاحات المهنية، أو الحكايات الخفيفة من الحياة اليومية. التحدّث عن العيوب والصعوبات يكون بالغالب غير مستحب، باستثناء الأمراض الجسدية. ومع ذلك، لا يمتد نفس الشعور إلى الصحة النفسية. لا يزال هناك الكثير من الوصمة المحيطة بموضوع الصحّة النفسية في المناطق الريفية العربية والريفية عموماً. في الأماكن التقليدية، لا يُعتبَر أنّك «تُعاني» من مرضٍ نفسي، بل أنّك «مستسلمٌ» له. كأنّ الموضوع يمثّل نقصاً في القوة العقلية وقوة الإرادة، ويُعتبَر أمراً مخزياً. علاوة على ذلك، نادراً ما يكون لدى الناس الوقت للنظر إلى الداخل والاعتراف بإمكانية الاضطراب النفسي بينما يوَجّه الكثير من طاقاتهم نحو تلبية احتياجات الآخرين. عند الاعتراف بخللٍ في نفسيتهم أو وظائفهم، يميلون إلى نسبه لعامل ظرفي مثل الطقس أو نقص الفيتامينات. أي تبرير خارجي يكون مقبولاً لأنّهم لا يريدون الشعور بالذنب. أخيراً، هناك شعور بعدم الارتياح، يُحيط بالتعبير العاطفي الحقيقي، نظراً لأن الجميع يتعلّم إخفاء تجاربهم الداخلية لراحة الآخرين. بالطبع، هناك نصوص اجتماعية لمواساة الألم في حالات الفقد، مثل «العوض بسلامتك»، و«الله يرحمه»، وهي بعض العبارات الشائعة للتعزية. ومع ذلك، لا توجد إرشادات متاحة لمعالجة التجربة الفردية للغاية للاضطراب النفسي.
ومع ذلك، فإن النظرة إلى الأمر تختلف بشكل كبير في الأوساط الأكثر حداثة. انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وحملات التوعية بالصحة النفسية ساهم بشكل كبير في إزالة الوصمة عن الموضوع. يُقابَل الانفتاح حول الصعوبات النفسية بالتعاطف والقبول والرحمة. لا عيب في التعبير عن المشاعر. والأهم من ذلك، أن السعي للحصول على مساعدة مهنية ليس مدعوماً فحسب، بل مشجّع عليه بشدة. في بيروت، أدّى تحرك الوعي بالصحة النفسية إلى زيادة إمكانية الوصول إلى خدمات الصحة النفسية.
حوالي 1900 – 1920 – تجتمع النساء حول القهوة في طقس عربي جماعي يعزز الأدوار التقليدية والروابط الاجتماعية والهوية الثقافية. صورة من تصوير قسم الصور في مستعمرة أمريكية (القدس)، جزء من مجموعة صور ماتسون. مكتبة الكونغرس.
اتّخاذ المقعد– أو الموقف
في المناطق الريفية، تتحدّد وضعية الجلوس والحركة بناءً على معايير أبوية. هناك طرائق جلوس وحركة تُعتبر ذكورية وغير مناسبة للنساء، وطرائق أخرى تُعتبر أنثوية وغير مناسبة للرجال. عادةً ما تُنصح النساء بالجلوس مع ضم الركبتين والكاحلين كرمز للعفة والخجل. هذا، إلى جانب خفض مستوى الصوت، هو من أولى الطرق التي يتعلّمنَ بها ضمنياً أن يشغلنَ مساحةً أقل. على النقيض من ذلك، يُشجّع الرجال على الجلوس مع فتح الركبتين والكاحلين للدلالة على الثقة والقوة. رغم فرض هذه التوجيهات في جميع الظروف، هناك طرائق إضافية للحركة والجلوس تُعتبر غير لائقة لأي شخص، بغض النظر عن الجنس، خاصّة في حضور الضيوف. على سبيل المثال، يُعتبر الجلوس بوضعية الأرجل المتقاطعة أو الاستلقاء غير مناسب. وذلك لأنّه، في هذه الحالة، شعورك بالراحة الجسدية يشير إلى أنّك لست غير متنبّه بما فيه الكفاية للعناية براحة الآخرين. في النهاية، عندما يزورك ضيف، يكون واجبك الأساسي هو العناية به، وتأتي مسايرته في المرتبة الثانية. التواصل الاجتماعي متأصّل في إطار «الخدمة»، عبر تقديمها أو تلقّيها، خاصّةً بالنسبة للنساء.
من ناحية أخرى، تكون التجمّعات في الأوساط غير التقليدية أكثر إلفةً، رسمية بدرجاتٍ أقلّ، من دون وجود إرشادات تحدّد تفاصيل الحضور. هذا الاختلاف يظهر التحوّل نحو التواصل منخفض السياق. يلعب السياق والمظاهر الجسدية دوراً أقلّ حيث تكون المحادثة اللفظية هي الوسيلة الأساسية لنقل الأفكار. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد مجموعة من الأشخاص تكون مسؤولة حصرياً عن خدمة الجميع. إنّها عملية تعاونية أكثر. عادةً ما يقوم المضيفون بتوفير الوجبات الخفيفة والمشروبات، ولكن يعود الأمر للجميع لخدمة أنفسهم. هذا يمثّل التغلب على حاجز الضيف-المضيف. هناك ضغط أقل لتبنّي دور اجتماعي، ويمكن بدلاً من ذلك تركيز الطاقة على الاستمتاع والتفاعل.
امرأة شابة تعبر عن هويتها من خلال أسلوبها الشخصي، مما يعكس التحول نحو التعبير الفردي في المدن العربية المعاصرة. صورة من تصوير ماكسيم مازور على Unsplash.
اللباس كوسيلة للقمع أو التمثيل
كما ذُكر سابقاً، تشجّع المجتمعات الحديثة والحضرية على التعبير عن الذات وحرية الفكر، والملابس التي نرتديها هي ما نقوله عن أنفسنا قبل أن نتكلّم. عندما بدأت الجامعة، كنت أختار ملابسي بهدف الظهور بمظهر لائق. كنت أختار الملابس التي كانت متاحة ومناسبة من دون الاهتمام بما إذا كنت أحبّها أو إذا كانت تعبّر عن شخصيتي. نتيجةً لذلك، كنت غالباً لا أحب الطريقة التي أرتدي بها الملابس ولكن لم يكن لدي الوسائل لتغييرها بعد. أذكر أنّني تحدّثت مع زميلة بعد الصف لأنني اعتقدت أنها تبدو مثيرةً للاهتمام. أثناء حديثنا، شعرت بالحاجة إلى أن أؤكّد لها أنني لست الشخص الذي تعكسه ملابسي. شعرت أنني أبدو عادية، مملّة، ومتصلّبة. هذه النظرة لملابسي جعلت تفاعلاتي مع الآخرين تبدو متوتّرة، لأنّني بدلاً من أن تعبّر ملابسي عني، كان هناك طبقة من القماش تسوء تمثيلي. لم يكن هذا شيئاً مهمّاً في المجتمعات التقليدية لأن الناس غالباً ما يرتدون بطريقة تركّز على المناسبة بشكل أساسي، على عكس الطريقة الحديثة التي تركّز على الشخص: لم يكن التعبير عن الذات على قائمة الأولويات عند اختيار ما نرتديه. كانت الاعتبارات الرئيسية عند اختيار الملابس هي ملاءمتها للمناسبة، وتمثيلها للجنس والوضع الاجتماعي، ومدى ملاءمتها للجسم ضمن حدود الاحتشام. على الجانب الآخر، في الأوساط الحديثة، تُستخدَم الملابس لتمثيل الهوية والقيم الذاتية بدلاً من السمات المحدّدة مُسبقاً.
عند تقاطع التقليد والحداثة، يصارع الأفراد لتحقيق التوازن بين التعبير الشخصي، وتوقعات المجتمع، والمعايير الاجتماعية وسط ديناميات ثقافية متطورة. صورة من تصوير كينغا هوارد على Unsplash.
التوازن بين المجتمع والحرية
في كل من الأوساط الحديثة والتقليدية، يتمسّك الناس بالقيم السائدة داخل ثقافاتهم أو يتحدّونها. نحن لا نعيش في فراغ. كشخصٍ عاش في تقاطع بين الاثنين، بين شكل مجتمع ريفي تقليدي كثيف التقاليد وعاصمة حضرية حديثة، شعرت بعدم الراحة في الامتثال، واستنزفني ضغط مقاومة الامتثال. في السياق الريفي التقليدي، توقّعت أن أجد شعوراً بالمجتمع. وجدت نفسي إما أتخلّى عن التعبير عن ذاتي وإمّا أخاطر بعزل نفسي اجتماعياً. عتبة الاستياء منخفضة. يسهل إحباط الناس، بينما يصعب إرضاؤهم. هذا يبرز كيف أن الجماعية المتطفّلة أحياناً، في المناطق الريفية، لم تعد تعزّز المجتمع. في العالم الرأسمالي الحديث، توقّعتُ الحرية. وجدت أنّ هناك إرهاقاً دائم التربّص. إنه صراعٌ للموازنة بين مهنة مرهقة، وحياة اجتماعية، وهواية، والسعي المستمرّ للنمو مع الحفاظ على نمط حياة صحي.
الركود يثقل كاهل المرء في مواجهة عالم يتغيّر بسرعة. والتكيّف مع سرعة التغيير، رغم كونه مثيراً، يمكن أن يكون مرهقاً للغاية. عدم التوازن بين العمل والحياة والفردية المفرطة التي تفرضها الرأسمالية المتأخّرة لا تعزّز الحرية. في النهاية، عندما تصل الأشياء إلى أقصى درجاتها، فإنها تنقلب إلى عكسها. هذا لا يعني أن العشب ليس أخضر على أي من الجانبين، ولكنّه يصبح موحِلاً على طول الأطراف القصوى.

تانيا عبد الباقي
تانيا هي معلمة رياضيات وأم لقطط ومنتجة موسيقية بين الحين والآخر. درست علم النفس والفلسفة وتهتم بشكل خاص بالنقاشات حول التفاعل بين الثقافة والإدراك واللغة وتأثيرها على التواصل في العلاقات الشخصية. هي أيضاً من عشاق الليمون.








