الاستشراق والأسطورة والغزو: كيف تستخدم الصهيونية والاستعمار السرديات الدينية والصور النمطية الاستشراقية كأدوات للدعاية الحربية
بعد هجمات حماس في 7 أكتوبر، أكّد متحدّث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو العثور على أطفال إسرائيليين مقطوعي الرأس في كفر عزة، وهو كيبوتس يقع على بُعد 5 كيلومترات تقريباً من شرق غزّة. أمّا الرئيس الأميركي جو بايدن، وعند وصفه رعب مشاهدته هذه الفظائع، أعلن دعمه غير المشروط لحرب إسرائيل على الإرهاب في غزة. ورغم النفي اللاحق لوقوع مثل هذه الفظائع من قبل مسؤولين إسرائيليين، ورغم تراجع البيت الأبيض عن ادّعاءات بايدن ومشاهدته هذه الصور، إلّا أن هذه المزاعم الملفّقة كانت كافية لتأمين الدعم الغربي غير المشروط للإبادة الإسرائيلية في غزة.
تعتبر مزاعم الفظيع أدوات فعّالة للدعاية الحربية، وغالبًا ما تسبق غزو السكّان الأصليين. فالمشاهد المتخيّلة للرعب، مثل قطع رؤوس الأطفال، تنتهك القيم العالمية وتوقظ قلقاً عميقاً، ما يثير ردود فعل غريزية ضدّ مرتكبيها المزعومين. ويعتبر الخطاب العقلاني والعمليات القانونية المعتادة غير كافيين لمعالجة مشاعر الرعب المثارة. من خلال «تجاوزهم حدود المقبول إنسانياً»، تُسقَط عن المجرمين المزعومين إنسانيتهم نفسها، وبالتالي يُبرَّر تدميرهم.
إن الاستخدام المتكرّر لمزاعم الفظيع لحشد الدعم للجهود الحربية، وتأثيرها المدمّر تجاه السكّان الأصليين، يُبرز ضرورة المُعاينة النقدية للآليات التي تمنح المصداقية لمثل هذه الادّعاءات.
مايو ٢٠١١ – الصفحة الأولى من صحيفة نيويورك تايمز معروضة في كشك للجرائد مع العنوان: “مقتل بن لادن على يد القوات الأمريكية في باكستان، أوباما يقول، مُعلناً أن العدالة قد تحققت.” تصوير R4vi على فليكر (CC BY-SA 2.0).
الخيال الاستشراقي ومزاعم الفظيع
كل حرب من حروب القرن الواحد والعشرين في الشرق الأوسط سبقتها مجموعةٌ خاصّة من مزاعم الفظيع. استُخدمت هذه المزاعم لتأجيج الحرب على الإرهاب التي لا تنتهي، والتي كان قد بدأها الرئيس جورج بوش الابن، وواصلها خلفاؤه. تختلف الحرب على الإرهاب بشكلٍ ملحوظ عن الحروب التقليدية، إذ تصوّر نفسها كحملةٍ أخلاقيةٍ ضدّ عدوٍّ غير مرئيٍّ، وغير قابلٍ للتتبّع، وشيطاني. وبعدما وضعَ الغرب قيَمَه الديمقراطية ودفاعه عن الحريات الفردية بمواجهة العالم العربي-الإسلامي، استغلّت “الحرب على الإرهاب” الصورةَ النمطية الاستشراقية لإثارة الغضب العالمي وتعزيز الدعم للجهود الحربية. صُوّرت الثقافة العربية كعبادة للإرهاب وللتعصّب الديني، بغاية تأطير الرجال العرب كإرهابيين.
ومع أنّ المزاعم المتعلّقة بحماس قد دُحضَت، إلّا أنّ الحقيقة بنفسها فقدت قيمتها، رغم العواقب الوخيمة للأكاذيب التي تم ترويجها. كما أنّ الفظائع المرتكبة في غزّة، الموثّقة والمنشورة والمُعلن عنها من جهة إسرائيل نفسها، والتي استهدفت حتّى الأطفال، لم تقلّل من الدعم الغربي للإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرّة حتّى اليوم.
في تبريرها للمجازر، تلوم إسرائيل ضحاياها: بالنسبة لها، النساء والأطفال الفلسطينيون دروعٌ بشرية، وكلّ الرجال الفلسطينيين إرهابيون. وتبنّت وسائل الإعلام الغربية، بسهولة، هذه الثنائية وهذا الشعار التبسيطي.
خلافًا للاعتقاد الشائع، لا تحتاج إسرائيل إلى ممارسة ضغطٍ كبير كي تؤثّر على السياسات التحريرية لصحيفتي نيويورك تايمز وسي. إن. إن.، كي تتكرّرا الدعاية الإسرائيلية بشكلٍ ممنهج. المفاهيم الاستشراقية المُسبَقة تؤثّر على الزاوية الصحفية. ولفهم كيف تدفع المعتقدات المرسّخة إلى تكرار بثقة أنّ المدنيين الفلسطينيين يُستخدَمون كدروعٍ بشرية، يتطلّب الأمر الغوص بأعمال مستشرقٍ مشهور، رافائيل باتاي.
عام 1945 – لقطة لرفائيل باتاي مستندًا إلى جدار. الصورة من مكتبة نيويورك العامة، قسم المخطوطات والأرشيف. تم تعديل الصورة.
خرافة التضحية بالأطفال
وُلد رافائيل باتاي في بودابست، وكان صهيونياً نشيطاً، أسّس منظمةً في المجر لدعم الاستيطان اليهودي في فلسطين تحت الانتداب البريطاني. ثم انتقل إلى القدس عام 1933، ليصبح عالِماً استشراقياً بارزاً. في العام 1983، نشر موسوعته عن الصور النمطية للعرب، بعنوان «العقل العربي»، وهو كتاب مرجعي في دراسات الشرق الأوسط، وقد وفًر الإطار النظري لغزو العراق في العام 2003.
يشدّد باتاي في كتابه على الحسّ القوي بالشرف لدى الرجال العرب، مقترحاً أنّهم قد يضحّون بأطفالهم لاستعادة شرفهم بعد هزيمةٍ عسكرية. وفقاً لباتاي، التضحية بالأطفال ممارسة ثقافية تميّز المجتمعات العربية. وتردّد ادّعاءات باتاي التصوّرات التوراتية المتعلّقة بطقوس التضحية بالأطفال الكنعانيين وإحراقهم، قرباناً للإله مولوخ. يُشار إلى أنّ طبيعة هذه الطقوس، والتي كانت تُقام على مواقع مقدّسة مسمّاة «توفة»، لم تؤَكّد بعد بواسطة الأدلّة الأركيولوجية. كما يقترح بعض المؤرّخين أنّ مزاعم التضحية بالأطفال لُفّقَت لأوّل مرة من قبل الرومان، كجزءٍ من دعايتهم الحربية ضدّ قرطاج. بكلّ الحالات، ومع الشياع الذي منحته إيّاه رواية «سلامبو» الاستشراقية لغوستاف فلوبير، واصلت حكايةُ التضحيةِ بالأطفالِ تشكيلَ وجهات النظر الغربية المتعلّقة بثقافة المشرق العربي المعاصرة.
1760 – Map of Canaan or Holy Land, divided among the twelve tribes. Published by John Bowles in London. Library of Congress, Geography and Map Division.
الصهيونية وأرض كنعان
يوظّف احتلال فلسطين روايةً تقوم على ادّعاءٍ يهودي بملكية أرض كنعان العتيقة، وهي منطقة غير محدّدة ضمن المشرق العربي اليوم. هذا التمويه يخفي حالةَ احتلالٍ غربيٍّ نموذجيٍّ آخر، تحت ستار صراعٍ ديني، فيشَيطن أي معارضة. كما أنّ إعادة تمثيل التنميطات الاستشراقية والأساطير التوراتية، هي مكوّن أساسي من البروباغندا الإسرائيلية (الهاسبارا). هذه الممارسة تردّد روايات استعمارية قديمة، روايات تجد بدورها طريقاً إلى ذهن الجماهير الغربية، فتوظّف إحساسهم التاريخي بالذنب كسلاح.
شأت مسألة «الشعب» اليهودي لأوّل مرة داخل الأوساط القومية المعادية لليهود في ألمانيا في القرن التاسع عشر. كانوا أوّل من نظّر لليهودية كعرقٍ إثني متمايز، ينبع من أرضٍ وطنيةٍ يهودية بعيدة. في أوائل القرن العشرين، ظهرت الصهيونية كجوابٍ على هذه النظرية المعادية لليهود، وسلّمت بأنّ اليهود لا يمكن أن يكونوا مواطني البلاد التي هم فيها. غير أنّ اليهود الليبراليين والمحافظين الذين أتعبهم الاضطهاد المعادي للسامية سابقاً، والذين بلغوا مستوى مُعيَّناً من القبول المجتمعي لاحقاً، رفضوا الصهيونية بشدّة آنذاك. الهجرة إلى فلسطين عَنَت حذف سنوات من الجهد للاعتراف بهم كأعضاء متساوين في المجتمعات الأوروبية. ومع ذلك، اكتسبت الصهيونية زخماً في المجتمعات الشرقية الأوروبية المهمّشة وأصبحت خطّاً فكرياً سائداً ما بعد أهوال الهولوكوست.
في أعقاب الحرب العالمية الثانية، أجاب مثال القرن التاسع عشر القومي والمتعلّق بتقرير المصير، على سؤال مصير الإمبراطوريات الاستعمارية المهزومة؛ على أن يُضمَن لكل الشعب حقّ حكم الأراضي التي يسكنها، وإنشاء دول مستقلّة ذات سيادة. غير أنّ هذا الحقّ لم يُمنح للجماعات الدينية. لذلك، كان من الضروري تصوير الاستعمار الصهيوني لفلسطين كحق تاريخي لـ«الشعب» اليهودي للعودة إلى وطنهم: «أرض إسرائيل» التوراتية. وإنّ تحويل اليهودية [كديانة] إلى قوميةٍ يهودية،
تعزّز عبر التوصيف الاستعماري لفلسطين كـ«أرض اللاأحد»، أرضٌ مباحة، ما أدّى إلى ولادة الشعار المشهور «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض». ثم أُعيد تأطير الكتابات الأسطورية للكتاب المقدّس كجزءٍ من تاريخٍ تأسيسي، يوطّد خرافة العرق اليهودي الإثني ذي الهوية القومية في دولة إسرائيل الحديثة.
دُعّم هذا التأطير التاريخي بمراجعٍ توراتية حول المنفى، وقدّم «الشعب» اليهودي على أنّه اقتُلع قسراً من أرضه بعد تدمير معبد هيرودس على يدّ الرومان، في العام 70 ميلادي. وسوف تُردَّد هذه الرواية في إعلان دولة إسرائيل. لكن هناك نقصٌ مُعتبَرٌ لناحية الأدلّة التي تدعم وقوع مثل هذا المنفى. يتناسى الصهاينة أن اليهودية كانت ديناً تبشيرياً منذ القرن الثاني قبل الميلاد، ما يعني أن الاهتداء الديني لعب دوراً كبيراً في انتشار اليهودية في أنحاء البحر الأبيض المتوسط. بالحقيقة، من المُحتمل جداً أن يكون يهود زمن الهيكل الأوّل قد أصبحوا فلسطينيّي اليوم.
عام 1896 – خريطة كنعان من الصفحة 275 من «الكتاب المقدس الفني، يتضمن العهدين القديم والجديد: مع العديد من الرسوم التوضيحية». تُظهر الخريطة التقسيمات الإقليمية بين الأسباط الاثني عشر لإسرائيل كما هو موصوف في سفر يشوع. نُشرت بواسطة جورج نيونس في لندن. صور كتاب أرشيف الإنترنت على فليكر (CC0 1.0).
إعادة تمثيل الأساطير الكتابية
في إسرائيل، يُدرَّس الكتاب المقدس العبري (التناخ) كنصٍّ تاريخي تربوي في المدارس الثانوية العلمانية، وفيه تأكيدٌ على أنّ أرض كنعان وُهِبت من الله لأبناء إسرائيل الحقيقيين، إلى الأبد. كما تشير الدراسات الإسرائيلية المعاصرة إلى العرب الأصليين في فلسطين كـ«عرب أرض إسرائيل»، ما يصوّرهم بشكلٍ ساخر محتلّينَ للأرض.
يروي سفر يشوع– المفضّل بين الأوساط الصهيونية– غزوَ الإسرائيليين للأرض الموعودة بقيادة يشوع، خليفة موسى. ويشرح بالتفصيل استيطان بني إسرائيل لأرض كنعان، بعدما أمرهم الله باستئصال سكّانها، أي الكنعانيين: «واحتَلَّ يَشوعُ جميعَ أرضِ الجبَلِ والجنوبِ والسَّهلِ والسُّفوحِ وضربَ جميعَ مُلوكِها ولم يُبقِ باقياً، وقتَلَ كُلَّ نفْسٍ فيها كما أمرَ الرّبُّ إلهُ إِسرائيلَ» (يشوع 10:40).
من المفضّل تصنيف الكتاب المقدّس على أنه «تأريخ مُؤَسطَر». يعيد صياغة الأحداث الماضية وكأنّها دليلٌ على خطّة وعجائب إلهٍ واحد، بهدف جذب أتباع الدين اليهودي. لكنّ الصهيونية تعرض الكتاب المقدّس على أنّه كتابٌ تاريخيٌ بالمعنى المباشر، فيصبح الفلسطينيون الكنعانيين الكتابيين، ويصبح تطهيرهم العرقي إرادةً إلهيةً.
تشربن الثاني 1917 – إعلان بلفور. رسالة إلى اللورد روتشيلد تعبر عن دعم إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين. حكومة المملكة المتحدة موقعة من قبل آرثر بلفور. ويكيميديا كومنز.
الصهيونية والمستعمرون البروتستانت
في أوائل القرن العشرين، شهدت بريطانيا تدفّقاً هائلاً للمهاجرين اليهود الفارّين من المذابح المدبَّرة (بوغروم) في أوروبا الشرقية. الضغوط السياسية الشديدة لكبح الهجرة إلى بريطانيا، تماشت مع نبوءات الكنيسة الإنجليكانية والمصالح البريطانية في تأمين موطئ قدم استعماري في الشرق الأوسط، ما أدّى إلى إعلان بلفور (1917)، الذي أفضى إلى هجرةٍ جماعيةٍ لليهود الأوروبيين إلى فلسطين.
ساهمت المشاعر القومية الأصيلة في بريطانيا، أواخر القرن السادس عشر، في ظهور الأفكار «الصهيونية» الأولى بين الأنجليكان الذين فضّلوا الكتاب المقدّس العبري على العهد الجديد، وكانوا أوّل من اعتبر العهد القديم كتاباً تاريخياً. الكتاب المقدّس العبري لا يدعو إلى «إدارة الخد الآخر»، بل يمجّد الأرض الموعودة والصراع الذي لا هوادة فيه، لـ«الشعب المختار»، المُقدَّر له أن يستولي على هذه الأرض من الوثنيين. وقد شكّل هذا السرد الأساس اللاهوتي للطموحات الاستعمارية البريطانية للسيطرة على قناة السويس وفلسطين.
9 كانون الأوّل 1917 – عمدة القدس، حسين سليم الحسيني، يسلم المدينة إلى رقيبين بريطانيين. تصوير لويس لارسون، من مجموعة صور ماتسون في مكتبة الكونغرس.
إنّ الاهتمام البريطاني بالسيطرة على طرق التجارة إلى الشرق، تحوّل إلى رغبةِ إقامة موطئ قدم إمبريالي في الشرق الأوسط. وبما أن بريطانيا لم يكن لديها رعايا في المنطقة، أصبحت فكرة الاستيطان اليهودية-المسيحية في فلسطين وسيلةً استراتيجيةً لتخطّي السيطرة العثمانية. وقد اعتقد الصهاينة المسيحيون البريطانيون أنّ «عودة» اليهود إلى فلسطين سوف تُحقّق نبوءةً كتابيةً، تُفضي إلى المجيء الثاني للمسيح الذي سيمحَق اليهود ويُمَسحن العالم. هذا الاعتقاد وجد صداه عميقاً لدى تيارات بروتستانتية متنوّعة، وما زال مستمرّاً في المعتقدات الإنجيلية المعاصرة.
11 كانون الأول 1917 – إسماعيل حداد بك يقرأ إعلان الجنرال اللنبي للأحكام العرفية باللغة العربية عند باب الخليل في القدس. هذا الحدث كان بمثابة بداية السيطرة البريطانية الرسمية على المدينة. تصوير قسم التصوير في المستعمرة الأمريكية (القدس)، من مجموعة صور ماتسون في مكتبة الكونغرس.
غذّت الحجج اللاهوتية للاستيطان اليهودي في فلسطين السياسةَ البريطانيةَ وتبنّي هذه السياسة لمبادراتٍ استعماريةٍ، مثل الاستحواذ على الأرض، وتطوير بنى تحتية وإنشاء المستعمرات الزراعية. كان صندوق استكشاف فلسطين (PEF) عام 1865 مسعىً استعمارياً لرسم خريطة فلسطين وتحديد المواقع المقدّسة من العهد القديم، الأمر الذي سوف يشكّل برنامجَ عمل للجهود الصهيونية. خلال القرن التاسع عشر، جذبت التجارة المزدهرة في الشرق الرحّالة الغربيين إلى فلسطين. وإن تعطّشهم للإمبراطورية، الممتزج باحتقارهم العميق للسكّان العرب المحليين، قد أثرّ مباشرةً على تطوّر الدراسات الاستشراقية داخل الدوائر الفكرية الغربية.
24 نيسان 2022 – يشارك اليهود الأرثوذكس في مسيرة يوم القدس في لندن، حاملين لافتات تعلن «الصهاينة أشعلوا النار الآن وفي الماضي». تصوير أليسدير هيكسون على فليكر(CC BY-SA 2.0)..
الصهيونية والإنجيليون الأميركيون
خلال زيارته لإسرائيل في 21 تشرين الأوّل 2023، أكّد بايدن لنتنياهو وحكومته الحربية: «لا أعتقد أنّك يجب أن تكون يهودياً كي تكون صهيونياً، وأنا صهيوني». تدعم العديد من الجماعات الإنجيلية الأمريكية إسرائيل مالياً ودبلوماسياً اليوم. على غرار المستعمرين البروتستانت، يعتقد الإنجيليون أيضاً أنّ إسرائيلَ قويةً وكبيرةً ستُعجّل بقدوم حكم يسوع العالمي على الأرض. تأثيرهم ليس ضئيلاً لأنّ الإنجيليين يشكّلون كتلةً تصويتيةً كبيرةً في الولايات المتّحدة.
في خطاب اليوم المئة على الإبادة الجماعية في غزة، يفنّد المتحدّث باسم حركة حماس، أبو عبيدة، أبعاد الانقضاض الإسرائيلي على فلسطين قبل السابع من أكتبور، بما فيها «إحضار البقرات الحمر» من تكساس إلى إسرائيل. تشرح الكتابات اليهودية مواصفات البقرة الحمراء– حتّى عمرها ولونها– التي سيُضحّى بها إثر طقوس التطهير للسماح ببناء الهيكل الثالث وبدء نهاية الزمان. تجاوز وزير الزراعة الإسرائيلي القوانين للسماح باستيراد البقرة، وعند وصولها في أيلول 2022، أعلن وزير التراث الإسرائيلي أنه يموّل تطوير جبل الزيتون حيث سيُضحّى بالبقرات. نوايا السلطات الإسرائيلية لتدمير المسجد الأقصى ليست سرّاً، حيث أن التضحية بالبقرات هي ذريعة لإزالة الموقع الإسلامي المقدّس، وتالياً قطع صلة الفلسطينيين بأرضهم.
21 تشرين الأوّل 2023 – تظاهر أكثر من 300,000 شخص في لندن تضامناً مع الفلسطينيين، مندّدين بأفعال إسرائيل باعتبارها إبادة جماعية. حمل المتظاهرون لافتات مثل «هذه إبادة جماعية» للتعبير عن غضبهم. تصوير أليسدير هيكسون على فليكر (CC BY-SA 2.0).
الإبادة الجماعية في غزّة كحملة صليبية حديثة
تتلاعب الحركة الصهيونية بالكتابات اليهودية فتجعلها سلاحاً لتبرير استعمار فلسطين. وثمّة أوجه شبه بين ذلك وتصوّر المستعمرين الغربيين التاريخي للمشرق العربي من خلال عدسة الكتاب المقدّس. هذا الاستغلال للكتابات المقدّسة يخدم كغطاء سياسي للتطهير العرقي للشعب الفلسطيني، من خلال وسم الأصوات المعارضة على أنّها معادية للسامية.
تماشياً مع الموضوع، تحذّر الأساطير التوراتية غالباً من الغطرسة التي تؤدّي إلى سقوط الحكام. خلال الإبادة الجماعية المستمرّة في غزة، قام فيلق التعليم في الجيش الإسرائيلي بتوزيع مجموعة من القصائد بعنوان «هيناني» (ها أنا ذا) على القادة والجنود. وتحاول هذه القصائد تأطير الحرب على غزّة كحملة صليبية حديثة، بما يشبه قتال إسرائيليي التورات بوجه الفِلِست، وتصوير تطهيرهم العرقي كمشيئة الله. تستند هذه القصائد إلى الأساطير التوراتية مثل أسطورة شمشون وعمله الانتقامي الأخير ضد الفلست للتحريض على الانتقام العسكري.
إحدى هذه القصائد تحمل عنوان «هاكي لانو غزة» (غزّة تنتظرنا)، وتشير إلى النبي عاموس وتقول إن «على أسوارك يا غزّة، سوف يُكسر رأس كل رضيع على الصخرة». توزيع هذه القصائد قد يُعَدّ بمثابة تعليمات عسكرية رسمية مكتوبة لارتكاب إبادة جماعية. ويمكن لتوزيع هذه القصائد أن يُعتبر إشارةً على نيةٍ إباديةٍ تُلَقَّم مباشرةً للجنود، وذلك ضمن القضية المفتوحة ضدّ إسرائيل في محكمة العدل الدولية، ما يعرّض كل من القيادة الإسرائيلية وأعضاء قوّاتها المسلّحة للمحاكمة.
يرسم المؤرّخ جوزيف مسعد تشابهاً كبيراً بين تحرير الجزائر والوضع الحالي المُنكَشف في غزة. فبالرغم من الحملة الدعائية الضخمة التي قامت بها الإدارة الفرنسية لتصوير مقاتلي جبهة التحرير الوطني كـ«جراد»، ولتصوير نفسها كمنقذ للجزائريين، وبالرغم من قتل أكثر من 300,000 جزائري، انتصرت الجزائر في حرب التحرير، وفي النهاية، أعلنت استقلالها عام 1962.
الروايات الاستعمارية السابقة انهارت، رغم الدعاية الضخمة والتوحّش الرهيب. اليوم، تُعدّ الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزّة علامةً على الهزيمة الوشيكة للمشروع الاستعماري الصهيوني. وإن إدراك القوى الاستيطانية-الاستعمارية لهزيمتها الوشيكة، يدفعها إلى استخدام أكثر الأساليب بربريةً لقمع تمرّد السكان الأصليين. أفعال إسرائيل تعكس صراعاً يائساً في سنواتها الأخيرة، قبل تفكيكها واستبدالها بدولة غير عنصرية، منزوعة الاستعمار.

سيرين جيرماني
سيرين جيرماني هي رسّامة وباحثة لبنانية حاصلة على درجة الماجستير في الفنون الجميلة من المدرسة الوطنية العليا للفنون في باريس-سيرجي، فرنسا. تتابع دراستها حالياً لنيل درجة الدكتوراه في الفلسفة، حيث تركّز على موضوع التوحيد الثقافي داخل سوق الفن العالمي وتأثير الهيمنة الثقافية الغربية. تستكشف أطروحتها الديناميكيات المعقّدة بين الفن والثقافة والسلطة.









