سعدو... في الثانية والسبعين وقلبه في الحادية عشرة
في قلب بيروت، في عين المريسة تحديداً، يشعّ سعدو كأنه شمس صغيرة تضيء الحيّ. حضور دافئ، مألوف، ينساب في أزقة شارعنا، ويبعث الحياة في كل زاوية
كل صباح، يستيقظ باكراً ويسير بخطى خفيفة نحو بيت نوال، يصفر بهمس. نوال، الجارة الطيبة، فقدت شقيقها منذ سنوات في حادثة غطس أليمة — وكان صديق سعدو المقرّب —ومنذ ذلك الحين، احتضنت نوال سعدو برعاية صامتة، تعتني به منذ ثماني سنوات. تطعمه، تلبسه، تشتري له ثياباً جديدة — وتغمره بحب وصبر
سعدو يعيش في عالم لا تعرفه عقارب الساعة. قلبه خفيف، وعقله صافٍ. رغم أن سنواته تعدّت الثانية والسبعين، إلا أنه لا يزال يرى نفسه طفلاً في الحادية عشرة، ولعلّه كذلك حقاً؛ فثمة براءة في خطواته، وصفاء لا يعكره همّ
يهوى المساعدة — ومن لا يحب ما يجيده؟
من كنس الأرصفة، إلى حمل أكياس الخضار، إلى ترتيب الشرفات، سعدو هو “الساعد الأيمن” لكل بيت في الحيّ. ينجز مهامه بابتسامة لا تفارقه، يجمع منها بعض النقود القليلة، التي تحتفظ بها نوال له بعناية كمن يصون كنزاً ثميناً. وفي الأعياد، تفاجئه بملابس جديدة وحلويات صغيرة، تضيء وجهه كمن أهدوه الدنيا بأكملها.
أما عن الطقس، فله مع سعدو حكاية أخرى؛ هو نذيرنا الجويّ الأمين. كلما التقيته، يخبرني بحالة الجو وكأن الغيوم نفسها أسرّت له بأخبارها، ودائماً ما يصيب
من شرفتي، أراه أحياناً جالساً بطمأنينة على شرفة نوال: على كرسي بلاستيكي أبيض، إلى جانب طاولة بيضاء تزينها مفرشة ملونة بالأزهار. حوله أقفاص عصافير ونباتات يانعة. هناك، في ركنه الصغير، يطلق ضحكاته الخفيفة التي تتسلل إلى الفضاء، فتحمل معها شيئاً من بهجة العالم.
سألته ذات مرة عمّا يحب، فابتسم بصفاء الطفولة وقال: “البنات!”
وعندما سألته إن كان يخاف من شيء، نظر إليّ بدهشة وقال: “شو بدك يخوفني؟”
وحين يحلّ الليل، يعود إلى منزله القريب، يصفر كما بدأ نهاره، كأن لحنه الخفيف يحرس الحيّ حتى مطلع الفجر
سعدو درس يوميّ في الفرح، وفي البساطة، وفي نعمة الحضور الكامل. حين يثقلني الهمّ، يكفيني أن أسمع صوته يتردّد في الأزقة، لأدرك أن الدنيا ما زالت تحمل في طياتها أسباباً للفرح

كلوي خوري
كلوي هي صانعة أفلام ومصوّرة لبنانية، تنسج عبر عدستها قصصًا حميمة تُعنى بالقضايا الاجتماعية، والصراعات الشخصية، والأصوات التي غالبًا ما تُهمّش في المشهد اللبناني. تحمل خلفية أكاديمية في الإعلام، وماجستير في التسويق والتنمية المستدامة، لكنها اختارت أن تجعل من الكاميرا أداة للمناصرة والتوثيق الإنساني.
أعمالها عُرضت في أماكن مرموقة مثل كاميرا تورينو (بالتعاون مع ICP)، ومهرجان "نظرات من المتوسّط" السينمائي، وBeirut Art District. من خلال عدستها، تنسج كلوي علاقات عميقة مع الناس والأماكن، لتجعل من التصوير أداة للشهادة والانتماء.












