“رسالة من “مكان آمن"

يد تمتد عبر الزجاج المكسور لنافذة محطمة في صور، جنوب لبنان، 2024. تصوير كارمن يحشوشي

مرحبا تيتا. أعتذر لانقطاعي عن الكتابة لك خلال الفترة الماضية. ما زلت لا أعلم إن كان علينا كتابة الشعور بالخوف أم اغتياله، ومع تعاظم أهوال الفاجعة يصبح البحث عن إجابة للسؤال عملاً شاقاً وترفاً لا أملكه. فعلى لائحة الواجبات في مذكراتي كتبت أن أولوياتي هي إما النجاة أو الموت قبل أن يطال الموت من أحبهم. 

 

أجدني في كل مرة أكتب، أتوجه إليك. أستحضرك ربما لأنك تنتمين إلى زمن ما قبل الإبادة. هكذا بتُّ أقسم العمر على زمنين، ما قبل وما بعد الإبادة. تمسكاً مني ربما بذاكرة مهددة بالمحو اليوم، ورفضاً لغد سيتشكل على أشلاء عشرات الآلاف منا. 

 

سأحاول أن أروي لك بعضاً مما صارت إليه حياتنا في ظل الاحتلال. أطمنئك بدايةً أننا في “مكان آمن” كما يسمونه. الغريب أن حدود النطاق الجغرافي للمكان الآمن الذي أكتب لك منه لا تشمل أي من بيوتنا التي أصبحت كلها “غير آمنة”. المعادلة الإنسانية البديهية التي تُساوي بين البيت والأمان، أصبحت غير ممكنة. هكذا قال وقرر ونفذ الاحتلال، ومن ورائه العالم بسياساته واقتصاداته وعسكره وعتاده وعديده وتكنولوجيته وأسلحته المتطورة وصواريخه المحملة بأطنان من الحديد. 

 

تخيلي أن كل هؤلاء أعداء بيوتنا. 

 

كما قُسم العمر بين زمنين، قُسمت حيواتنا بماضيها وحاضرها أيضاً. بيت أهلي في صور، مسقط القلب والمستقر بعد تعب غير آمن. بيتك في البقاع، مسقط الرأس والوجهة عند كل موجة حنين غير آمن. بيتي في الضاحية، حيث كل محاولات الحياة بما تيسر من رضا، غير آمن. أتأمل مؤخراً في نقمة لطالما تعاملت معها على أنها نعمة. نقمة الانتماء إلى كل تلك الأمكنة في آن واحد. أن تشكلني كلها وأن تُسلب مني أيضاً كلها في آن واحد. أن تُقسم شاشة التلفاز إلى مربعات لأشاهدها كلها تُقصف وتُدمر وتشتعل أمام عينَيّ في آن واحد، وأن أتساءل أي زاوية من القلب تؤلمني أكثر. 

 

يتسلل الخدر إلى زوايا القلب الذي يرفض الإجابة، ينشف الحلق وتتحجر الدموع في مآقيها، ويتحول البكاء إلى نحيب مكبوت في الصدر. تنهمر الأسئلة وكأنها خناجر انتظرت وهن القلب لتنكل به أكثر. هل نعود؟ ومتى؟ أي خسارات نحصي؟ أي وجوه غابت؟ أي مألوف وثابت ضاع؟ أي شوارع مُسحت وأي مطارح شُوهت؟ أي حياة نستعيد؟ 

 

في بلاد تُنسف فيها بلدات بأكملها، يرثي فيها الناس مدناً وأحبة يدمر الاحتلال مبان على رؤوسهم وآخرين ينبش قبورهم. يُهجر فيها مليون ونصف إنسان من بيوتهم ليجدوا أنفسهم عالقين بين بطش الاحتلال وبطش نظام يكره الفقراء، فيها شباب وشابات وأطفال ينفجر في وجههم وبين أيديهم خلاصة الشر الذي هندسه العالم لصالح الاحتلال وهم في أمان بيوتهم فيفقدون العيون والأطراف، أخجل أن أشاركك تفاصيل حياتنا على أنها معاناة لكنها قد تكون محاولتي لتوثيق جزء ضئيل جداً من الجريمة. 

 

في 23 أيلول/ سبتمبر الماضي، اقترب الوحش من فناء منزلنا في صور.

 

كان يحوم في سماء المدينة على مدار الساعة منذ حوالي سنة، يستبيح يومياتنا وينقض متى شاء على “أهداف” فيها شرعها له العالم. لكن يومها، استفزته مشاهد حياة طبيعية يمارسها أبناء المدينة رغم أنفه، فكشر عن أنيابه ونفخ نيرانه في وجههم فأخرجهم من بيوتهم إلى مجهول سيعمل لاحقاً على إطالة أمده. 

 

“ما بدي موت”، هي الرسالة التي أرسلتها لي أختي الصغرى قبل أن تبدأ رحلتها نحو بيروت. 

 

طويلة وصعبة ومزنرة بالنار، كانت الساعات الاثنتا عشر التي قضاها أهلي على الطريق. 

 

في تلك الليلة، اختبرت أسوأ تجاربي مع الانتظار بعد أن فُقد الاتصال بوالدي. أتذكرين لوحتك التي أحببتها وورثتها عنك؟ جلست أمامها وكأنني أتضرع معك إلى الله. أتوسله أن يحمي بابا لأنه أعظم تركاتك لي، وكان لي ذلك. 

 

في بيتي في الضاحية، اجتمعنا. أيام معدودة مرت قبل أن يتقلص هامش الأمان الأخير الذي لجأنا إليه وينعدم. 

 

في 27 أيلول/ سبتمبر، اهتزت الأرض تحت أقدامنا. 

رمت طائرات الاحتلال 85 طناً من الحديد والمتفجرات على الضاحية. يقولون إنهم فعلوا ذلك لقتل رجل واحد. 

 

أصوات الانفجارات الهائلة سُمعت في أرجاء المدينة، بدت وكأنها لا تنتهي. 

شعرت أن الأرض نفسها تحاول أن تنذرنا بهول ما سيأتي. 

 

خلال دقائق، أصبحت نازحة للمرة الأولى، وأهلي نازحين للمرة الثانية في غضون أيام. 

في خضم محاولة النجاة، عجزت عن التفضيل بين أشيائي. لم أستطع أن أقرر ما هي الأشياء التي تستحق أن أحملها معي.

أن أنقذها. رفضت أن أختار أو أن أُجبر على الاختيار، فتركت كل شيء. 

الحياة كلها أو لا حياة. الأمان كله أو لا أمان أبداً في ظل الاحتلال. 

 

كنا نشاهد مدينتنا التي تركناها تحترق على الهواء مباشرةً، حين أعلنوا أن أطنان الحديد التي هجرتنا حققت حلم الوحش الأزلي. قتلوا السيد حسن نصرالله. أمران فقط تبادرا إلى ذهني لدى تلقي الخبر. إنه لشرف عظيم، إن لم يكن الأعظم، أن تؤرق إسرائيل إلى الحد الذي تُضطر فيه لاستخدام 85 طناً من المتفجرات للتخلص منك، ولترهيب محبيك والانتقام منهم. 

 

فكرت أيضاً في أنك لو كنتِ بيننا، كنتِ لتحزني كثيراً. أذكر كم كنتِ تكرهين التلفاز وصوته العالي، وكل ما يتعلق بالأخبار السياسية على وجه الخصوص. لكنه كان استثناءاً. تفرحك طلته، تستمعين إليه، تصدقينه وتدعين له بطول العمر وبمزيد من النصر. تذكرت عينيك الشاخصتين إلى صورته، ويديك المرفوعتين بالدعاء له، وبكيت. 

 

منذ ذلك اليوم، تتسارع الأحداث. يزداد البطش. يستفحل الظلم. يُطلق العالم يد إسرائيل أكثر فأكثر في لحمنا. يعظم الثأر. تصير الدماء أنهاراً. دقائق بين المجزرة والمجزرة. ساعات بين التشييع والتشييع. تتفحم المدن. تتبخر الأمكنة ومعها ذكريات وأعمار. 

 

روتين وحشي يخطه الاحتلال بكل تفاصيله. تُكتب لنا النجاة ليوم إضافي فنقضيه بانتظار خرائط مرفقة بما يسمونه “إنذارات إخلاء” هي إشعارات إبادة مكانية وقتل وتهجير إضافي. نتحلق حول خريطة رسمها لنا طارئ ما على هذه الأرض. يحدد فيها بنقطة حمراء أي بيوت وأمكنة سيمحيها من الوجود. نسأل كيف تتقلص الحياة بكل ما فيها وتُختزل لتصبح نقطة حمراء؟ 

 

“لا مش حدنا، البيت لورا شارعين. يلا هالمرة زمطنا”.

 

يحالفنا الحظ فيصلنا فيديو لحينا صوره أحد المرابطين في المدينة. يحاول أبي أن يخفي هاتفه عنا حتى لا يطالعنا مشهد دمار البيت فجأة. “بشوف أنا وبتأكد وبعدين بتشوفوا”. لا يزال يحاول تجنيبنا الحزن، هو الذي اضطر للهرب بعائلته نحو احتمال النجاة مرتين حتى الآن. كما حملنا، سيواصل حمل عبء القلب عنا أيضاً. لن نتبادل الأدوار كما كنت أتمنى. 

 

إلى البيت في الضاحية، تمكنا من العودة لساعة فقط. 

 

ما إن دخلت، تشنج كتفاي وطأطأت رأسي تلقائياً وكأن جسدي يتحضر للحظة يُطلق فيها صاروخ نحونا. 

ولو لدقائق، نجح الاحتلال في بتر علاقتي مع بيتي، تماماَ كما في تلك الليلة عندما أعدت نشر أمر إخلاء لمبنيين وقد غاب عني تماماً أنهما يقعان بمحاذاة المبنى الذي أسكنه. قد أكون تحولت إلى آلة تبرمجها أوامر إخلاء. آلة تنتظر الآن إشعاراً يحدد كم من الوقت سيتسنى لها البقاء في مكانها.   


عدت هذه المرة إلى البيت وأنا أعرف تماماً ما سأحمل معي. عدت لأحمل لوحتك. فكانت إحدى وصاياك أن أحتفظ بها. 

 

حملتها وحدها وخرجت تاركةً خلفي، الضاحية حيث بقي كل شيء. 

 

تسألني أمي مراراً: “شو قولك قربت تخلص؟ بدنا نرجع على البيت”. لا أملك جواباً لسؤالها فليس هناك ما أقيس عليه سوى غزة. غزة التي شاهدها العالم تُباد على مدى أكثر من 400 يوم. غزة المذبوحة، المجوعة، المحاصرة، غزة حيث أكثر من 44 ألف شهيد و100 ألف جريح. 

 

“بدنا نصبر”، أقول لها. ففي غزة أيضاً من رفض التهجير من الشمال. هناك من فضل الموت في غزة على أي إمكانية للنجاة. أمي وأنا نتمنى لو بقينا في البيت. لو نموت في صور. يجتاحنا الندم لا الحنين. نتخيل البيت يقف عارياً وحيداً. يلف الصقيع جدرانه رغم محاصرته بالنيران، يرتجف عند كل غارة، تماماً كروحنا. ينتظر دوره. ونتمنى لو حملناه على ظهرنا وهربنا به. 



لن أثقل قلبك أكثر، ولكن الحال لا يشبه حرب 2006 التي عشناها سوياً تيتا. يسمونها حرب وجود. 

أي أن الأرض لا تتسع لنا ولهم. وهو ما ندركه تماماً، وندفع ثمنه اليوم. وهو أيضاَ ما علمتني إياه. 

 

في أحد أيام تلك الحرب، نفذ اللبن من البيت. أصريت على المشوار سيراً على الأقدام ورافقتك إلى دكان الحي. 

لم تكن لتردعك طائرة الاستطلاع التي تحوم فوق رؤوسنا، ولا صوت انفجار الصواريخ التي تسقط على القرى المحاذية. 

في تلك اللحظة، كان سطل اللبن أهم. 

 

هكذا ببساطة أرسيت معادلة صمودك. كثيرون لا يفهمون أن المعادلة بسيطة وواضحة إلى هذا الحد. 

 

على غرار معادلتك تلك، يسكنني مشهدان آخران. 

 

في حاريص الجنوبية، صوت رجل يخرج من تحت أنقاض مبنى. فوق الأنقاض، يقف رجل وحيداً يقول له “ما تخافش رح روح جبلك مي، عم بحكيك لطمنك بس” أدهشتني السكينة في صوته المرتجف والتي بها سيتعلق آخر خيوط حياة ذلك الرجل، وكيف سيجتمع بين يديه العاريتين اللتين سيحاول بهما رفع الأنقاض كل أمان هذا العالم. 

 

في جبل عامل أيضاً، فيديو لمقاوم. يقف بسلاح بسيط يواجه طائراتهم. يطلق ناره في أكثر من اتجاه. يهدد أطنان الحديد. خطواته ثابتة، عيناه ثاقبتان وكأنهما تحدقان في يقين لا يراه سواه في تلك اللحظة. ينجز المهمة ويدخل إلى بيت متواضع، تُرعب حجارته المستعمرة، فتدمره. سنعرف لاحقاً أنه الشهيد إبراهيم حيدر. لا نعرفه ولا يعرفنا، ولكنه، وحده، كان قادراً على أن يمسح على قلوبنا. أن يقطع بيقينه ذلك كل الشك الذي تحمله أسئلة العودة واحتمالاتها. 

 

لا أقو على تخيل اليوم التالي لانتهاء الحرب، لكنني أعلم أنني في ذلك اليوم سأقود سيارتي وسأتجه بقاعاً حيث قبرك الذي آمل ألا ينبشه الوحش. سأجلس بجانبه. سأطلق البكاء المكبوت. لأول مرة منذ أشهر. سأخبرك أنني تعلمت حب البلاد من جديد، وأنني وددت لو لم أحاول الهروب منها مراراً إلى عالم يلفظني. لو حفظتها أكثر. لو التقطت صوراً لي ولك فيها أكثر. 

تعلمت كيف تتحول حيوات إلى ركام نجلس عليه لنواسي عزيزاً فقد ذاكرة، وأن الموت لم يعد يخيفني.

 

الآن، تخيفني أكثر إمكانية الحياة في عالم يقبل بكل هذا، عالم فيه إسرائيل.



رجا شعار على سطح منزله في حيّه. تُظهر هذه الصورة التكلفة الإنسانية للحرب والقوة المستمرة لأولئك الذين بقوا لإعادة البناء. جنوب لبنان، صور، 2024. تصوير كارمن يحشوشي

Noor Sleiman

Noor is a Lebanese journalist, writer, and content creator with a Master’s degree in Journalism and Media Studies. With over seven years of professional experience, she has worked at various media and communication outlets, focusing on human rights, freedom of expression, and social issues, driven by a passion to amplify underrepresented stories and voices.

احدث المقالات

Fann w Fenjein: Queer Falafel

Fann w Fenjein: Queer Falafel On bodies, borders, and the politics of refusal Foreword: Queer Falafel does not perform to

1. Sfiha

History   Sfiha holds a special place in the Levant (and in my heart). You’ll commonly hear the terms “sfiha”

“Women Are NOT Funny”

On a Sunday night, I received a DM on Instagram.    Someone had just discovered my stand-up comedy. They liked

اقرا المزيد

Fann w Fenjein: Kris Piña

A Visionary Songwriter Delivers Poetically Vulnerable Lyrics In a Desire To Seek Real Change in This World. By Aiyah Sibay MARSEILLE— A mixture of Arabic

Elections

A Window to the Alternatives

Question Regarding the Tripoli Clashes  Events in Tripoli have been, are, and will remain heated if no action is taken. In 2021, at least one

Gaza

عن التراث والغصّة: نولٌ وإبرة من غزة

مقدمة: كأفراد منغمسين/ات في الحفاظ على التطريز والمنسوجات التقليدية من بلاد الشام، نعتز بأولئك الذين يمارسون التقنيات التقليدية ونرغب في البقاء على اتصال معهم/ن. يمكنك