” أنا أكاديمي، ربما أثقل شيء عندي في المنزل هي علبة أقلام التحديد (إكسبو). ولكن إذا غزانا الإسرائيليون أو اقتحموا منزلنا، أو هاجمونا، أو داروا علينا بيتاً بيتاً لقتلنا، فسأستخدم علبة الأقلام لرميها على الجنود، حتى لو كان هذا هو آخر شيء يمكنني القيام به “.
انت هذه الكلمات من المقابلة الأخيرة للأكاديمي الفلسطيني رفعت العرعير قبل استشهاده. في الخلفية يُسمع صوت القصف الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة، كان الضجيج الحاد بمثابة تذكير محسوس لرفض الدكتور العرعير للعقليات الانهزامية، على عكس ذلك، أقسم على الصمود، وانتفض ضد القوات الصهيونية، حتى لو كان ذلك من خلال وسائل تبدو هشة مثل علبة ألوان إكسبو. في الواقع، لم تشر علبة الأقلام هنا فقط إلى أداة الكتابة على السبورات البيضاء، بل كان يرمز إلى وسيلة لتنوير وتعبئة الجماهير وتحدي الوضع الراهن. في الكفاح المستمر منذ عقود من أجل التحرير في فلسطين، لعب المثقفون/ات مثل رفعت العرعير دورًا حيويًا، واعتمدوا على بلاغتهم لإلهام العمل الثوري.
الطبعة الإنجليزية الجديدة من كتاب غسان كنفاني” ثورة 1936-1939 في فلسطين“، لدار النشر 1804 كتابًا في عام 2023.
المثقفون كمنارة للأمل
يندرج قتل إسرائيل المتواصل للمثقفين ضمن نمط أوسع من شأنه القضاء على أي مظهر من مظاهر الأمل المستقى من الخيال الفلسطيني، والسعي إلى إنشاء “النظام المثالي” للانهزامية والجبرية والصمت السياسي في غيابه (كنفاني، ص 27). من المسلّم به أن هذا “النظام” كان موجودًا قبل فترة طويلة من إنشاء إسرائيل في عام 1948، وهو أمر يناقشه غسان كنفاني في نصه ثورة 1936-1939 في فلسطين. ومع ذلك، في السنوات التي سبقت النكبة عام 1948 وبعدها، اعتمد المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني بشكل كبير على خيبة الأمل المستمرة لضحاياه لضمان الشرعية والنجاح. لذلك، كما يوضح كنفاني في نصه المذكور سابقًا، “كان الأمر متروكًا للمثقف الفلسطيني لمواجهة التحدي الهائل المتمثل في تغيير ثقافة التبعية هذه بينما لا يزال تحت تأثيرها”.
منذ بداية النضال التحرري، سعى المثقف الفلسطيني في نهاية المطاف إلى تعزيز “الوعي التقدمي” داخل مجتمعاته، مما أعاد إحياء الشعور بالأمل الذي تسعى القوى الصهيونية إلى إخماده. يعتبر المثقف منارة للأمل في المجتمع الفلسطيني، محفزاً الدعم عبر نقله النضال إلى جماهير متنوعة ببلاغة ومودة وسوية فكرية. في تكريمها لزوجها الراحل، توضح آني كنفاني أن قدرة غسان كنفاني على “شرح الأفكار السياسية الأكثر صعوبة بعبارات بسيطة” قد أكسبته وعمله الأدبي اعترافًا عالميًا منقطع النظير. كما تُقر آني، “هذا هو السبب في أن الأعداء اضطروا إلى تدمير [غسان].”
لم يبدأ القتل الإسرائيلي الممنهج المعاصر للمثقفين الفلسطينيين في 7تشرين الأول/ أكتوبر، ولن ينتهي بوقف إطلاق النار، وهي حقيقة تجلت بأوصح صورها باغتيال الموساد الإسرائيلي لغسان كنفاني في عام 1972، قبل ما يقرب من نصف قرن. بالنسبة للنفسية الصهيونية، يجسد المثقفون الفلسطينيون مثل كنفاني أكبر تهديد لهم. إنهم يضطلعون بدور غير تقليدي في المعركة ضد الوضع الاستعماري الاستيطاني الراهن، ويحافظون على الرؤية الفلسطينية للتحرير متسلحين بكلماتهم الآسرة.
نُشر كتاب إدوارد سعيد “تمثيلات المثقفين: محاضرات ريث لعام 1993” في عام 1994، من قبل Vintage Books.
المثقفون ومعضلة الاختيار
في كتابه تمثيلات المثقفين، يجادل إدوارد سعيد بأن “الخيار الرئيسي الذي يواجهه المثقف هو ما إذا كان يجب أن يتحالف مع استقرار المنتصرين والحكام أو – المسار الأكثر صعوبة – اعتبار هذا الاستقرار حالة طوارئ تهدد الأقل حظًا بخطر الانقراض الكامل” (ص 35). بالنسبة لأولئك الذين يفضلون الخيار الأول، فإن الشعور الزائف بالأمان المرتبط بالوضع الراهن مغري للغاية. تتفوق الامتيازات المتنوعة والمضمونة من خلال الامتثال الأعمى على أي رغبة في الانحراف عن المعايير الراسخة – حتى لو كانت غير عادلة. يضع المثقف، في هذه الحالة، فلسطين على مسافة بعيدة بما فيه الكفاية حتى يظل المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني عنصراً سالماً وغير قابل للطعن في الوضع الراهن السائد. طوال الوقت، تتطور علاقة متبادلة المنفعة بين المثقف والنظام الصهيوني، حيث يحقق الأول التقدم الوظيفي والترقيات الرسمية، بينما يضمن الأخير الشرعية العالمية – وغني عن القول، إن كل هذا يتم على حساب الفلسطينيين.
رام الله، جرافيتي على جدار الفصل في الضفة الغربية وملصق للبروفسور إدوارد سعيد الباحث، الناشط، الفلسطيني 1935 – 2003 فلسطين.
يتشارك المثقف الفلسطيني تجربة فريدة. قد يصطف مع الخيار الأول الذي قدمه سعيد، ويطبع مع ما يسمى “المنتصرين والحكام”. ومع ذلك، تظل الحقيقة أن هويتهم كشعوب أصلية ومستعمرين تتعارض مع استقرار النظام العالمي الحالي الذي يلتزم علانية بمحو واستغلال هؤلاء أنفسهم. وبالتالي، فإن وجود المثقف الفلسطيني نفسه يشكل تهديدًا فوريًا لأنه يكشف التناقضات والأهواء المتأصلة داخل النظام الاستعماري الصهيوني. بدوره، يدرك الصهيوني العادي أن إرث النكبة والصمود المعهود لأسلافهم تعيش داخل كل فلسطيني، ووجود المثقف هو تذكير مؤرق بأن أجندتهم للتطهير العرقي الكامل لم تتحقق بعد. يواجه المثقف الفلسطيني رقابة مفرطة أو، في أكثر حالاته تطرفًا، القتل على أيدي القوات الصهيونية قبل أن يتمكن من مواجهة الخيار الذي حدده سعيد، بحرية.
“
لقد وجدت إجاباتي – هكذا تكلم الشهيد باسل الأعرج
” نشرته دار بيسان للنشر والتوزيع في بيروت في عام 2018.
المثقف، الرومانسي
المفكر الأكثر جاذبية هو الذي لا يخشى الاعتراف برومانسية الحرب والبطولة والاستشهاد وما إلى ذلك.
رداً على المثقفين الذين يميلون، على العكس من ذلك، إلى رفع رؤوسهم بأحاديث عقيمة عن العقل والبراغماتية،كتب الشهيد باسل الأعرج الكلمات التالية:
” أنتم، المقولبون أكاديميًا، تضعون نصب أعينكم خيبة أمل كل الأشياء من خلال التعريف والشرح، معتقدين أنها ستوصلكم للحقيقة. في هذه الأيام الملبدة بالغيوم، أخبركم أنني لا أحتاج إلى إطار توضيحي لهطول الأمطار…ما أريده هو دهشتي التي لا تهدأ وابتسامتي السخيفة كلما هطل المطر. في كل مرة كما لو كانت المرة الأولى، طفل مسحور بسحر العال.”
ينصح الأعرج جمهوره بعدم حبس أنفسهم داخل حدود الواقعية الساخرة، والتضحية بعدّة النضال لإرضاء المثل الغربية الضيقة للتحرر. بدلاً من ذلك، يذكرهم بالارتماء في حضن العجائب الطفولية، ويقترب من الأمور الدنيوية بشعور يجمع الاجتهاد والتواضع. على الرغم من أن قوات الاحتلال الإسرائيلي سلبت الأعرج حياته بلا رحمة في عام 2017، إلا أن تعاليمه، كما تنعكس في كتاباته ونمط حياته العام، تكشف النقاب عن السمة الأكثر شرفًا التي يمكن للمثقف أن يتمتع بها، الفضول المتقد. إنه يشجع الآخرين على طرح الأسئلة ولكنه يحذرهم من إغفال سحر العالم في الإجابات المتحذلقة.
بينما يواصل الكيان الصهيوني هجومه الشنيع على قطاع غزة، مستهدفاً المثقفين لالتزامهم بالكرامة والحرية والحقيقة، وبينما يجد المثقفون الغربيون الراحة في صمتهم المدروس، نجد أنفسنا نعود إلى كلمات رفعت العرعير. عندما يشهد المثقف الظلم، بغض النظر عن قربه أو بعده، يجب عليه دائمًا الرجوع إلى علبة أقلام إكسبو الخاصة به ومقاومته، وتحدي الوضع الراهن الذي يخدم من يشغلون مناصب بارزة مع غرس الأمل داخل الجماهير.

Enshirah Barakat
Enshirah Barakat received her Bachelor of Arts in Political Science and International Studies with a focus on the Middle East from the University of Florida in December 2022. Her interests lie in the intersections between race, ethnicity, and the representations of identity.
- هذا الكاتب ليس لديه أي مشاركات أخرى.









