لطالما كانت المصحّات العقلية جزءاً محورياً من تشكيل نهجنا حول علاج الأمراض النفسية، ولا يزال ظلّها الواسع يخيّم على فهمنا الحديث لهذه الاضطرابات. ورغم أن هذه المصحّات غالباً ما تُصوَّر في أفلام الرعب أو تُذكر كأحداث تاريخية عابرة، إلا أنّ إرثها لا يزال يؤثّر بشكلٍ عميق على نظرتنا الحالية. فقد ارتبط تطوّر هذه المؤسّسات ارتباطاً وثيقاً بعوامل تاريخية وسياسية واجتماعية غالباً ما يتمّ تجاهلها أو تلطيفها، وهو ما أدّى إلى تكوين رؤية غير نقدية للصحّة النفسية، وعزّز من انتشار التصوّرات السلبية وطرق العلاج البالية.
إن الواقع القاسي لهذه المصحّات، والتي تميّزت بممارسات لا إنسانية وظروف مزرية، قد خلّف أثراً عميقاً. فعلى الرغم من التقدّم في مجالات العلم والطب والمواقف المجتمعية، إلا أنّ وصمة العار التي تحيط بهذه المؤسّسات لا تزال تؤثّر على الفئات المهمّشة، بما في ذلك النساء والمهاجرون والأشخاص ذوو البشرة الملوّنة. هذه الفجوة في التعاطف تعرقل فهمنا، وتكبح الفضول الضروري والفحص النقدي لكيفية استمرار المظالم التاريخية في التأثير على مشهد الصحّة النفسية اليوم. ورغم التقدّم المُحرَز في مجالَي العلاج والنظرة المجتمعية، إلّا أن التصوّرات السلبية الراسخة عن المؤسّسات الصحّية النفسية لا تزال قائمة، ما يؤثّر بشكلٍ خاص على المجتمعات غير المتمكّنة.
1910 – منظر كامل لمستشفى العصفورية في لبنان للأمراض العقلية. الصورة من «ألبوم العصفورية»، والمُرقمنة من قبل معهد بورثويك للأرشيفات، ضمن مجموعة ويلكوم (CC BY-NC 4.0)، مع تعديلات.
العصفورية: الجذور الغربية لمؤسّسات الصحّة العقلية في لبنان
في لبنان، بدأ تطوّر المصحّات العقلية – أو ما كان يُعرف بمصحّات المجانين – مع «العصفورية»، المعروفة أيضاً باسم «مستشفى لبنان للأمراض العقلية»، والتي تأسّست عام 1896 لتقديم الرعاية والخدمات المختلفة للأفراد الذين يعانون من اضطرابات نفسية من لبنان وسوريا ودول أخرى في جنوب غرب آسيا. بعد فترة قصيرة من تأسيسها، اعتُبرت «العصفورية» مؤسّسة دينية، وقد بدأت بتقديم الإقامة لعشرة أفراد فقط، ثم توسّعت لتستوعب ما يصل إلى 150 فرداً ممّن كانوا يُعتبرون «مضطربين».
أدّى هذا التوسّع المفاجئ إلى زيادة الانتقادات والعقبات المرتبطة بمشاكل مثل نقص الموارد اللازمة للعلاج المناسب، والاكتظاظ، وانتهاكات متعدّدة لحقوق الإنسان، والتصوّرات السلبية تجاه الصحّة النفسية. في العام 1982، أغلقت «العصفورية» أبوابها، نتيجة العنف الناجم عن الحرب الأهلية في لبنان والتي استمرّت 15 عاماً.
تأثّرت تجربة «العصفورية» بمستشفى «بيت لحم» في المملكة المتحدة، والمعروفة أيضاً باسم «بيدلام»، وهي واحدة من أقدم المؤسّسات التي أوت «المجانين». هذه المصحّة لم تكن جزءاً كبيراً من مجتمع العصور الوسطى، إذ كانت تضمّ في البداية ستّة أفراد فقط، لكنّ تقريراً لأحد المفوّضين في عام 1403 أشار إلى وجود أربع مجموعات من الأغلال التي كانت تُستَخدم لتعذيب هؤلاء الأفراد، بما في ذلك 11 سلسلةً، وستّة أقفال، وزوجَين من الأصفاد.
1896 – مستشفى بيثلم الملكي في لندن كما يُرى من طريق لامبث. الصورة نُشرت أساساً في كتاب «لندن الملكة: سجل مصور ووصفي لشوارع ومباني وحدائق ومناظر المدينة العظمى»، على ويكيميديا كومنز.
نداء الجنون لتنظيم المجتمع
على غرار مفهومنا الحالي لـ«الجنون»، كان «الجنون» في زمن مستشفى بيدلام والعصفورية تصنيفاً غير محدّد في المجتمع. كان يشمل الأفراد الذين باتوا يشكّلون مصدرَ إزعاج للنظام الاجتماعي والاقتصادي، وأولئك غير المتوافقين مع هذا النظام؛ أولئك الذين ما التزموا بالمعايير الاجتماعية وطريقة العيش «الطبيعية»؛ أولئك الذين، بسبب ذلك، صُنّفوا على أنّهم منحرفون، وغير طبيعيين.
وعلى الرغم من أنّ «الجنون» كان يُنظر إليه، في السابق، على أنّه فئة بيولوجية ثابتة وممنوحة من الله، فإنّ التاريخ قد أثبت أنّ «الجنون» كان فعلياً بناءً اجتماعياً متأثّراً بالمتطلّبات غير الطبيعية للنظام الرأسمالي. ونظراً للطريقة التي يُبنى المجتمع على أساسها، يُرمى في دائرة «عدم الاستقرار العقلي» كلّ من اللاجئين والنساء وجميع أنواع الفئات المهمّشة الذين يعانون من «عيوب» اقتصادية واجتماعية.
1858 – إليزا كامبلين، مريضة في مستشفى بيثلم الملكي، خلال نوبة هوس حاد. الصورة من تصوير هنري هيرينج، مأخوذة من أرشيف متحف مستشفى بيثلم الملكي للطب النفسي على ويكيميديا كومنز.
1858 – أ.ب.، مريضة في مستشفى بيثلم الملكي، خلال نوبة هوس حاد. الصورة من تصوير هنري هيرينج، مأخوذة من أرشيف متحف مستشفى بيثلم الملكي للطب النفسي على ويكيميديا كومنز.
1858 – هارييت جوردان، مريضة في مستشفى بيثلم الملكي، خلال نوبة هوس حاد. الصورة من تصوير هنري هيرينج، مأخوذة من أرشيف متحف مستشفى بيثلم الملكي للطب النفسي على ويكيميديا كومنز.
الجنون معطوفاً على الجندر
في السياق التاريخي لمصحّات العلاج النفسي، كانت النساء اللواتي يُظهرن صفات مثل «زوجات سيئة» أو «كراهية الأزواج» أو «السحر/ الشعوذة» أو «الهستيريا»… كانت تلك النساء يُصنّفنَ على أنّهنَّ «مجنونات»، «مضطربات»، «غير مستقرّات»، ما أدّى إلى احتجازهنَّ القسري في تلك المؤسّسات.
عمل أدريان ريتش حول إلزامية المُغايرة الجنسية (compulsory heterosexuality) يُسلّط الضوء على كيفية تقييد استقلالية المرأة من خلال توقّعات المجتمع، ما يخلق اعتماداً على الرجال لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والقبول الاجتماعي.
هذه الأنظمة المتداخلة من القمع لم تقتصر على تقييد اختيارات النساء فقط، بل أسهمت أيضاً في تحويل قضاياهنَّ إلى حالات طبّية داخل مصحّات العلاج النفسي. التجارب «الطبيعية» مثل الحيض أو التعبير عن العواطف صُنّفَت كأمراض، ما أدّى إلى تعزيز الصور النمطية حول الهشاشة العاطفية لدى المرأة، وتقويض قدرتها على اتّخاذ قرارات مستقلّة في أنظمة الرعاية الصحّية النفسية.
لذلك، يعكس الإرث التاريخي لمصحّات العلاج النفسي قضايا متجذّرة بعمق في التحيّز الجنسي والمواقف المجتمعية الأوسع تجاه الجنسَين والصحّة النفسية وديناميّات القوة. وقد واجهت النساء قواعد صارمةً، ومراقبةً مستمرّةً، وعلاجات لا إنسانية، ما أدّى إلى فقدانهنَّ السيطرة والاستقلالية على حياتهنّ. وقد أدّى تحويل قضايا النساء إلى حالات طبّية إلى تعزيز الصور النمطية وإعاقة التقدّم نحو تحقيق العدالة في الرعاية الصحّية النفسية للجميع.
1945 – سجل الحالة لفرانسيس أرونديل كود في مصح هولواي، يوثّق تشخيصها بالهوس الحادّ والملاحظات الطبية المرتبطة بذلك. الصورة من مجموعة ويلكوم.
في الرعاية الصحّية النفسية المعاصرة، لا تزال النساء يواجهن تشخيصات خاطئة بأمراض أثبتت الدراسات التاريخية والاجتماعية والسياسية أنّها متحيّزة جنسياً. على سبيل المثال، مفهوم «الهستيريا» الذي كان يُنسب في الأصل إلى النساء ويُفسَّر بأنه نتيجة «رحم يطوف» أو بسبب بيولوجيا الأنثى، تطوّر إلى فئات تشخيصية مثل اضطراب الأعراض الجسدية، واضطراب التحويل، واضطرابات الانفصام في الطبّ النفسي الحديث. على الرغم من محاولات تحقيق الدقّة السريرية والاعتماد على أساليب قائمة على الأدلّة، إلّا أنّ هذه التشخيصات غالباً ما تعيد تكرار نفس التحيّزات الأساسية.
علاوة على ذلك، العديد من الاضطرابات مثل اضطراب الشخصية الحدّية (BPD) واضطراب الشخصية الهستيرية (HPD) قد تعرّض للانتقاد بسبب التحيّز الجنساني، حيث شُخّصَت النساء تاريخياً بهذه الاضطرابات بنسبةٍ أعلى بكثير من نسبة الرجال. تعكس معايير التشخيص لهذه الاضطرابات القوالب النمطية المجتمعية تجاه التعبير العاطفي للنساء، ما يؤدّي إلى الإفراط في تحويل النساء إلى مرضى نفسيين وتصنيفهنَّ بشكلٍ عام على أنّهنَّ غير متحكّمات بعواطفهنَّ وغير مستقرّات.
فعلى سبيل المثال، الصفات المرتبطة باضطراب الشخصية الهستيرية، مثل الإغراء والمشاعر المبالغ فيها، تكرّس القوالب النمطية حول سلوك النساء، ما يعزّز فكرة أنهنَّ عاطفيات بشكلٍ مفرط ويسعين لجذب الانتباه أو أنّهنَّ متلاعبات. هذه التحيّزات الجنسانية في التشخيص والعلاج متجذّرة في التطبيع مع العنف القائم على النوع الاجتماعي، الأمر الذي يحتجز النساء في أدوارٍ تقليدية كراعيات وربّات منازل، تحت رحمة الذكور.
هذه التحيّزات متجذّرة بعمق في سياق مجتمعي أبوي أوسع، يعزّز ويديم فكرة دونية المرأة، وينظر إليها على أنّها أقل قدرة وكفاءة وأقل استحقاقاً لنفس الفرص التي يحصل عليها الرجال. لذلك، وصف النساء في لبنان وحول العالم بالجنون أو الهستيريا أو التوهّم ليس بريئاً، بل يأتي بعد قرون وعقود من التلقين الأبوي في المجتمع ومن الإقامات الظالمة للنساء في المؤسّسات النفسية.
يُبرز التطوّر التاريخي للمصحّات النفسية، خاصّةً في ما يتعلّق بمعاملة النساء والفئات العرقية المهمّشة، الطابعَ المتشابك للتمييز الجنسي والعنصري داخل أنظمة الرعاية الصحية النفسية.
موت ديفيد «روكي» بينيت بعد 25 دقيقة من التقييد المستلقي في عيادة نورفيك في المملكة المتّحدة كشف عن العنصرية في خدمات الصحّة النفسية التابعة لـNHS. مقال بقلم هيلين شو، في مجلة Socialist Lawyer على JSTOR مع تعديلات. (CC BY 4.0)
هل العرق عامل حاسم في تعريف الجنون؟
لطالما كانت مصحّات العلاج النفسي والرعاية الصحّية النفسية تعاني من تحيّزات عنصرية ضدّ الأشخاص ذوي البشرة الملوّنة، بما في ذلك اللاجئون والمهاجرون والعمّال المهاجرون وأصحاب البشرة السوداء والبنّية، الذين يتمّ تحويلهم إلى المستشفيات النفسية بدرجةٍ غير متناسبة. أظهرت دراسة حديثة حول التفاوتات العرقية في استخدام قانون الصحّة النفسية بين المجموعات العرقية في المملكة المتّحدة (عام 2021) أنّه لا يوجد تفسير واضح لهذا التباين في احتمالات الاحتجاز، ولا أدلّة كافية لدعم تفسيرات مثل «زيادة تعاطي المخدّرات بين بعض المجموعات العرقية، وحواجز اللغة، وضعف اكتشاف الأمراض النفسية، وزيادة الوصمة المرتبطة بمشاكل الصحّة النفسية».
2021-2022 – الفروقات العرقية في الاحتجازات بموجب قانون الصحّة النفسية في إنجلترا. الرسم البياني مقدم من مجموعة بيانات خدمات الصحة النفسية، “حقائق وأرقام حول العرق”، GOV.UK. CC BY-NC-ND 2.0
وفقًا لتقرير صدر عن الحكومة البريطانية (عام 2023)، كان الأشخاص البيض أقل عرضةً بخمسة أضعاف من الأشخاص السود للاحتجاز بموجب قانون الصحّة النفسية، حيث كانت هناك 342 حالةَ احتجازٍ لكل 100,000 شخص، مقابل 72 لكل 100,000 شخص أبيض. بالإضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن المجموعة العرقية «السوداء الأخرى» سجّلت أعلى معدّل احتجاز (760 لكل 100,000 شخص)، في حين سجّلت المجموعات العرقية الإيرلندية البيضاء والصينية والبريطانية والهندية أدنى معدّلات احتجاز (62، 64، 69، و75 لكل 100,000 على التوالي).
تحديد وإنتاج «الجنون» عابر للحدود أيضاً، إذ استُخدمت حدود الدول كأدوات سياسية إقصائية، موجّهة بشكلٍ أساسي ضدّ مَن اضطرّوا إلى عبور الحدود (بشكل مباشر أو غير مباشر) بحثاً عن ملاذٍ آمن إثر هروبهم من نزاعاتٍ عصفت ببلادهم. في البلاد التي يهاجرون إليها، غالباً ما يُصنّف هؤلاء على أنّهم مواطنون من الدرجة الثانية، الأمر الذي حرمهم من الوصول إلى السكن والخدمات الصحّية وحرية التنقّل والفرص التعليمية والوظيفية.
تعزّز هذه الوضعية الضيق النفسي بين طالبي اللجوء. مقارنةً بباقي السكّان، اللاجئون أكثر عرضة بخمسة أضعاف لتطلّب احتياجاتٍ متعلّقة بالصحّة النفسية. كما أنّ المهاجرين وأطفالهم يكونون أكثر عرضة بشكل كبير لملاقاة معايير اضطراب ما بعد الصدمة، خاصّةً عندما يُفصَل الأطفال عن أهلهم. يتفاقم هذا الضيق النفسي المتزايد بسبب البيئة المعادية التي تروّج لها الحكومات، ما يعكس البُنى الاجتماعية العنصرية والتمييزية التي تخلق حالة دائمة من الخوف والهشاشة.
2015 – احتجّ المئات في مركز احتجاز يارلز وود في بيدفوردشير، كاشفين عن الانتهاكات المنهجية التي تشمل الاحتجاز لأجل غير مسمى، وظروف الاحتجاز السيئة، وسوء معاملة النساء المهاجرات والمجموعات العائلية البالغة. الصورة من تصوير Eye Dj على فليكر (CC BY-NC-ND 2.0).
على سبيل المثال، يسلط تقرير صدر عن الحكومة البريطانية (2021) الضوء على المعاناة الكبيرة التي تسبّب بها نظام الاحتجاز الخاص بالهجرة في بريطانيا، مع سجن الأشخاص الذين يُعتبرون «غير قانونيين». يشير التقرير إلى أنّ 32,000 شخص دخلوا نظام الاحتجاز في العام 2015، مع تعرّضهم لمعاملة مسيئة مثل المنامة على أسرّةٍ بطابقَين وإزالة الاستقلالية الجسدية، معاملة الحرّاس وإقفال الزنزانات، والمراحيض المكشوفة التي تحاكي الظروف الموجودة في السجون والمصحّات النفسية. تشير الدراسات التي أجرتها الكليّة الملكية للأطباء النفسيين (2021) إلى أنّ الأشخاص المحتجزين في مراكز احتجاز المهاجرين هم الأكثر عرضة للمعاناة من أعراض مثل القلق والخوف وفقدان الأمل والأرق، إلى جانب إيذاء النفس والسلوكيات والأفكار الانتحارية. يسلّط ذلك الضوءَ على التأثير المدمّر لسياسات الهجرة على الصحّة النفسية، وكيف تتشابك أنظمة الصحّة النفسية مع أنظمة الهجرة وتعملان معاً لخدمة مصالح الدولة. ففي المملكة المتّحدة، على سبيل المثال، يتم تشجيع الأطبّاء الذين يستقبلون المرضى في وحدات العلاج النفسي على الاستفسار عن حالة الهجرة للمرضى، ما يؤدّي إلى تردّد الكثيرين في طلب المساعدة النفسية خوفاً من التدخّل القانوني المتعلّق بالهجرة. وبالمثل، في دول كالولايات المتّحدة وكندا، قد يتم رفض دخول الأفراد أو منحهم البطاقة الخضراء الأميركية إذا تبيّن أنهم يعانون من «اضطراب جسدي أو نفسي» يمكن تشخيصه سريرياً. وهذا يعكس كيف تصبح «السويّة العقليّة» مرتبطة بمفهوم «المواطن الصالح» الخاضع للدولة، في سياق يخدم حماية رأس المال.
2020 – يستكشف الفيلم القصير «مكداس: متى سأعود لأتذكر الآن» الظروف المأساوية التي يواجهها العمّال المنزليون المهاجرون تحت نظام الكفالة في لبنان. من إخراج وإنتاج فراس الحلاق. الفيديو بإذن من IDWF على فليكر (CC BY-NC-ND 2.0).
في السياق اللبناني، يمكن فهم تداخل العرق وادّعاءات الجنون عند النظر إلى العمّال المهاجرين واللاجئين في لبنان. يُعتقد أن قُرابة 250,000 عامل مهاجر يعملون حالياً في لبنان، معظمهم يعملون بموجب نظام الكفالة الذي يُعدّ شكلاً من أشكال العبودية الحديثة. ظروف وصولهم و«تدريبهم» غامضة، حيث يتعرّض العديد منهم للإيذاء الجسدي والنفسي بهدف تعليمهم «الطاعة» و«الخضوع» قبل إرسالهم إلى أصحاب العمل. وفقاً للمخابرات اللبنانية، تموت عاملتان منزليتان مهاجرتان كل أسبوع: «يسقط» بعضٌ من مباني الشقق أثناء محاولتهم الهروب، بينما ينتحر بعضٌ آخر. غالباً ما يتم التحقيق في هذه الحالات بشكل ضعيف، حيث تُعتبر العاملات المهاجرات «مجنونات»، أو «مهووسات»، أو «هستيريات». يتم تجاهل الوضع الاقتصادي والاجتماعي والشخصي للعاملة المهاجرة، حتّى عندما تتعرّض للعنف الجسدي أو اللفظي وأحياناً الجنسي من قبل أصحاب العمل.
نمط مماثل يمكن ملاحظته عندما يتعلّق الأمر باللاجئين في لبنان. بعيداً عن ألم اللجوء القسري من أوطانهم، والتعامل مع أحداث الحرب الصادمة، يواجه اللاجئون الفلسطينيون والسوريون العديد من العوائق القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤثّر على جودة حياتهم، وبالتالي صحّتهم النفسية. على مدى السنوات القليلة الماضية، ظهرت عدّة حالات حاول فيها لاجئون سوريون الانتحار بسبب الظروف المعيشية القاسية التي يواجهونها كلاجئين في البلاد، أو بسبب التهديدات بالترحيل إلى سوريا. بدلاً من استكشاف الأسباب النظامية وراء هذه الأحداث، يتناول المسؤولون والروايات السائدة حالات الانتحار هذه (أو المحاولات) من منظور فردي، حيث يُعتبر العامل المهاجر أو اللاجئ «مجنوناً»، ويُفتَرَض أنّ هذا الحدث هو مسألة عرضية.
2022 – اللاجئ السوري هشام الراوي، 38 عاماً، في مركز تابع للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لدعم ضحايا التعذيب والصحة النفسية في بيروت، يكافح الاكتئاب الحاد واضطراب الهلع، الأمر الذي تفاقم بسبب الإهمال والتمييز الممنهج. الصورة من تصوير Prospects ILO على فليكر (CC BY-NC-ND 2.0).
إرثٌ سياسي
ختاماً، من الضروري ملاحظة أن الصحّة النفسية غالباً ما تُعتبر موضوعاً مستقلّاً بمعزل عن تأثير الأنظمة المتقاطعة للاضطهاد في تشخيص الحالات النفسية. نظام المصحّات النفسية هو مجرّد رمز لكيفية التمييز الكامن في مجال الصحّة النفسية بحقّ الفئات المهمّشة. الإرث التاريخي للمصحّات النفسية، وتداخلها مع قضايا الجندر والعرق وسياسات الهجرة، يعكس مشكلات عميقة الجذور من التمييز الجنسي والعنصري الممنهج. أمّا بعد، فإنّ هذه المأسَسة، بأشكالها المختلفة، ما زالت تشكّل وجهات نظرنا حول أفراد معيّنين وسلوكيات معيّنة وفئات من الناس، وما زالت تلقّننا كيفيات فهم «الجنون» كما يُصاغ في عالمٍ يجعل من الجنون أمراً سهلاً.

سيرج نصر
سيرج نصر هو محترف يحمل شهادة في علم النفس والسلوك البشري، ويواصل حالياً دراسته للحصول على درجة الماجستير في دراسات الجندر متعدّدة التخصّصات. يركّز عمل سيرج على تعزيز الربط بين الدعوة للصحّة النفسية والتدخّلات الكويرية والجندرية الشاملة. من خلال التزامه العميق بمواجهة التمييز المنهجي، يؤمن بأهمية الاستراتيجيات الشاملة والدعوات الموجّهة لتعزيز الدعم النفسي ليكون أكثر شمولية وعدالة. من خلال دمج معرفته في علم النفس ودراسات الجندر، يسعى سيرج إلى ابتكار حلول جديدة للتحديات الفريدة التي تواجه المجتمعات المهمّشة داخل وخارج قطاع الصحّة النفسية.









