العدد التاسع | نكهاتنا
تُروى القصص أحيانًا من دون كلمات، في الأيادي الممتدّة نحو الطبق على مائدة الغداء، في رغيف خُبزٍ مُمزّق يُغمّس في زيت وزعتر، في ثمرةٍ ناضجة قُطفت للتوّ من الشجرة، أو في همسة بركةٍ تُقال قبل أن تبدأ الوجبة.
من خلال الطعام، يتعلّم كثيرون منّا أولى دروس العناية. نتربّى على أن مشاركة الطعام مع الأهل والأصدقاء فعلٌ مُقدّس.ونتعلّم مع الوقت أن الجوع لا يعني دائمًا الحاجة إلى الطعام، وأن التغذية قد تأتي أحيانًا في هيئة محبة أو كرم أو مقاومة أو حتى حزن.
العدد التاسع هو تحيّة للغة الطعام متعددة الحواس. فالأكل لا يُتذوّق فحسب؛ بل يُشمّ، ويُلمس، ويُرى، ويُسمع أحيانًا. في هذا العدد، نروي حكايات الأطباق والعادات التي تصل الماضي بالحاضر، والأرض بالمائدة، والحبّ بالفقد، والطعام بالفعل السياسي.
هذا العدد دعوة للتأمّل في ما تحمله وصفاتنا الموروثة وممارساتنا من معانٍ تتجاوز المكوّنات والتقنيات. وهو أيضًا شهادة على أن الطعام لا يغذّي الأجساد فحسب، بل يسند الذاكرة والأمل أيضًا.
نأمل أن يكون هذا العدد زادًا لكم، بأكثر من معنى.
ميشيل عيد
رئيسة التحرير
خلف فنّ الغلاف مع رباب شمس الدين، المصوّرة اللبنانيّة
بالنسبة لي، هذه هي الرقة بعينها. أكثر أشكال الارتباط عمقاً تحصل حول مائدة فيها دبس خروب، وقهوة، وفاكهة من حديقة البيت.
في الجنوب، أصدقائي وأنا نكون في بيوتنا عادةً قبل السادسة مساءً، تماماً في الوقت المناسب لجلسات ما بعد الظهر تحت شجرة الصفصاف. لا نتكلّم أثناء تحضير المائدة — نعرف سلفاً كيف يجب أن تكون “العصرونيّة”. هذا الانسجام يعكس الألفة التي ورثناها، فنحن نتحرّك بسهولة في المطبخ، لأن هذه اللغة من المحبّة انتقلت إلينا عبر الأرض والعائلة.
في هذه الصورة، الصحون والفناجين تعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وكانت تملكها جدّتي، تيتا نِمريّة. على الطاولة آثار أيادٍ كثيرة: حلويات جلبها زوّار سابقون، فواكه من حديقتنا ومن القرى المجاورة، تين جففته والدتي، دبس الخروب الذي يشربه والدي كل صباح، وقهوة “نجّار” برغوتها التي ستُقسم بالتساوي — كل ذلك يغمره ضوء ما بعد الظهر. المكان مُهيّأ للجلوس، للهدوء، للانتماء إلى هذا الفضاء الذي نسمّيه “البيت”.
كنت أرغب في دعوة الآخرين إلى هذا الإحساس. هذه الصورة، بالنسبة لي، تجسّد لغة محبّة تعود إلى أجدادنا. أن نحافظ على هذه اللغة، أن نستمر في استخدامها بين الأصدقاء والأحبّة، أن نختارها على غيرها — هو أمر يحمل من الحنان ما لا يُقال.
كما نرث سلوكيات أهلنا، نرث أيضاً هذه اللغة. وعندما نقول “أحبك” بلغة مغموسة بالإرث، فإننا نُضفي عليها عمقاً آخر. أي أن هذا الحب يحمل ذاكرة، يحمل مكاناً وزماناً، ويقول: أحبك كما أحبّ قومي قبلي، وبذات الطريقة. أحبك من خير الأرض، بصحونها وكلماتها، بحروف العناية التي نشأت منها لغتنا.
استكشفوا العدد التاسع

وراء الغلاف مع رباب شمس الدين
هذه الصورة تبدو، في آنٍ معاً، كريمة وحميمة — مائدة ممتلئة بالفواكه

نكهاتٌ تحت الحظر، الميرمية ، والزعتر والخبّيزة: ثلاثيةٌ مسجونة في أرضنا
منذ عقود وحتى اليوم، دأبت النساء الفلسطينيات على زراعة النباتات البلدية لتغذية

دروب اللحمة بعجين والحنين
فرح برّو كاتبة متخصصة في النبيذ والثقافة، تقيم في بيروت، لبنان. تتناول

«نريد أن نبقى أبناء أمكنتنا»: سوريون يتمسّكون بثقافة الطعام في سنوات الحرب
يمارس الناس حياتهم اليومية في دير الزور، أكبر مدن شرق سوريا. تشرين